عربي
لم تصل كلفة الحرب في المنطقة كاملة بعد إلى فواتير البريطانيين، لكنها بدأت تتسلل إلى قرار الشراء نفسه. في المتاجر، لا يظهر الأثر فقط في الأسعار أو كلفة التشغيل، بل في مستهلكين صاروا أكثر حذراً، يحسبون ما قد تأتي به الأشهر المقبلة قبل أن يمدوا أيديهم إلى الرفوف.
هكذا يتحول الخوف من موجة غلاء جديدة إلى قوة اقتصادية قائمة بذاتها، تضغط على قطاع التجزئة قبل أن تكتمل الصدمة في بيانات التضخم أو فواتير الطاقة والوقود والغذاء. وفي ردّه على أسئلة "العربي الجديد"، يقول مارتن سارتوريوس، كبير الاقتصاديين في اتحاد الصناعات البريطانية: "تراجع المبيعات الذي أرجعه بعض تجار التجزئة إلى ضعف ثقة المستهلكين يشير إلى أن زخم إنفاق الأسر لا يزال ضعيفاً". تلتقط هذه العبارة جوهر ما يحدث في قطاع التجزئة البريطاني.
فالمشكلة لم تعد في السعر وحده، بل في المزاج الذي يسبق السعر. وحين تخشى الأسر أن تتحول الحرب إلى فواتير أعلى في الوقود والطاقة والغذاء، فإنها لا تنتظر صدور بيانات التضخم التالية، بل تبدأ فوراً بإعادة ترتيب أولوياتها: شراء الضروري، وتأجيل الكماليات، والتفكير أكثر من مرة قبل الإنفاق على الملابس أو الأثاث أو تحسينات المنزل.
تأتي أحدث إشارات القلق من مسح اتحاد الصناعات البريطانية لمبيعات التجزئة، إذ يهبط مؤشر أحجام المبيعات إلى ناقص 68 في إبريل/نيسان، مقارنة بناقص 52 في مارس/آذار، في أدنى قراءة منذ بدء السلسلة عام 1983. وتفيد 77% من الشركات المشاركة في المسح بأن المبيعات تراجعت، مقابل 9% فقط تسجل زيادة، بينما تتدهور توقعات مايو/أيار إلى ناقص 60، في أضعف قراءة منذ جائحة كورونا.
لا تعني هذه الأرقام أن الحرب في المنطقة هي السبب الوحيد وراء ضعف المتاجر البريطانية، فالأسر تدخل هذه المرحلة مثقلة أصلاً بسنوات من ارتفاع كلفة المعيشة، وفوائد الرهن العقاري والإيجارات وفواتير الطاقة. غير أن الحرب تضيف عنصراً بالغ التأثير: الخوف من صدمة جديدة. وقد يكون هذا الخوف كافياً وحده لتجميد الإنفاق قبل أن تظهر الصدمة كاملة في الأسعار الرسمية.
الغذاء يصمد والكماليات تتراجع
ولا تبدو الصورة متطابقة بين مؤشرات السوق المختلفة. إذ يوضح توم هولدر، رئيس الاتصالات في اتحاد التجزئة البريطاني، لـ"العربي الجديد"، أنّ مؤشر مبيعات التجزئة الصادر عن الاتحاد، وكذلك مؤشر مبيعات التجزئة الصادر عن مكتب الإحصاء الوطني، لا يُظهران حتى الآن تباطؤاً واضحاً في الإنفاق. ويمنح هذا التوضيح المشهد قدراً من التوازن؛ فالسوق لا تتحرك في خط واحد ولا تكشف كل المؤشرات الضعف بالحدة نفسها. بيد أنّه في المقابل تكشف آخر نشرة متاحة لمراقبة مبيعات التجزئة، الصادرة عن اتحاد التجزئة البريطاني بالاشتراك مع "كي بي إم جي" عن مارس/آذار 2026، هشاشة داخلية في بنية المبيعات. فقد ارتفع إجمالي مبيعات التجزئة بنسبة 3.6% على أساس سنوي، مدفوعاً خصوصاً بزيادة مبيعات الغذاء بنسبة 6.8%، بينما لم يتجاوز نمو السلع غير الغذائية 0.9%. ويبدو هذا الفارق مهماً، لأنه يوضح أن المستهلك لا يتوقف عن الشراء بل يعيد ترتيب ما يشتريه: الغذاء والاحتياجات اليومية أولاً والملابس والأحذية والأثاث والسلع المنزلية لاحقاً أو عند الضرورة.
وبحسب النشرة نفسها، تقول هيلين ديكنسون، الرئيسة التنفيذية لاتحاد التجزئة البريطاني، إن عيد الفصح هذا العام منح مبيعات الغذاء دفعة كانت المتاجر تحتاجها، لكنها تشير إلى أن أداء السلع غير الغذائية يبقى أكثر تبايناً، مع استمرار معاناة الملابس والأحذية. وتضيف أن تجار التجزئة يأملون أن يجلب وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط استقراراً دائماً، لكنها تحذّر من أن التوقعات لا تزال غير مؤكدة، مشيرة إلى أن الضرر الذي لحق بسلاسل الإمداد وقع بالفعل وأن ارتفاع تكاليف الشحن والأسمدة والتأمين والسلع الأساسية يضيف مزيداً من الضغط على المتاجر. هكذا لا تنفي أرقام اتحاد التجزئة البريطاني زاوية الضعف، بل تجعلها أكثر دقة. فالأزمة ليست انهياراً شاملاً في كل أنواع الإنفاق، بل فرز أكثر حدة بين الضروري والمؤجل. الأسر تواصل شراء الطعام، لكنها تصبح أكثر تردداً أمام السلع التي يمكن تأجيلها. بهذا المعنى، لا يضعف غياب التباطؤ الواضح في بعض المؤشرات زاوية القلق، بل يكشف أن التحول في السوق يبدأ من السلوك والتوقعات قبل أن يستقر في الأرقام.
حين تصبح التخفيضات إنذاراً
وتظهر المفارقة أيضاً في التخفيضات. فقد يتباطأ تضخم أسعار المتاجر في إبريل/نيسان، وتظهر تخفيضات في بعض السلع غير الغذائية، خصوصاً الملابس والأثاث ومستلزمات المنازل. غير أنّ هذه التخفيضات لا تكشف بالضرورة تحسناً حقيقياً في القدرة الشرائية، بل قد تعكس محاولة من المتاجر لجذب زبائن أصبحوا أكثر تردداً. وكل تخفيض واسع اليوم يمكن أن يعني هامش ربح أضيق غداً، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والأجور. تجد المتاجر نفسها بذلك عالقة بين ضغطين. فإذا رفعت الأسعار لتعويض الكلفة، فقد تخسر مزيداً من الزبائن. وإذا وسعت التخفيضات لحماية المبيعات، قد تتآكل هوامش أرباحها. ويصبح ضعف المبيعات أكثر من مجرد مؤشر شهري؛ إنه إنذار بأن قطاع التجزئة يتحمل مبكراً كلفة نفسية واقتصادية للحرب، حتى قبل أن تستقر تداعياتها على أسواق الطاقة والغذاء. ولا يقتصر الضغط على المتاجر الكبرى. فالأنشطة الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد على حركة يومية ثابتة، تكون غالباً أقل قدرة على امتصاص تراجع الطلب أو تمويل التخفيضات لفترة طويلة.
ومع استمرار القلق بشأن الوقود والطاقة وسلاسل الإمداد، قد تتحول قرارات المستهلك الفردية إلى موجة أوسع تضغط على العمالة والمخزون والاستثمار وثقة الشركات في الأشهر المقبلة. بهذا المعنى، تدخل بريطانيا مرحلة يمكن وصفها بـ"الانكماش الاستهلاكي الوقائي". فالأسر لا تنتظر أن تصبح الأسعار أعلى، بل تتصرف مسبقاً على هذا الأساس. والخطورة هنا أن توقعات الغلاء قد تتحول إلى ضعف فعلي في الطلب، وأن الخوف من التضخم يمكن أن ينتج أثراً اقتصادياً حتى قبل أن يتحول إلى أرقام في بيانات الأسعار. لذلك لا تكمن القصة في أن الحرب ترفع الأسعار فقط، بل في أنها تغيّر طريقة تعامل الأسر مع المستقبل القريب. فالخوف من الغلاء صار جزءاً من قرار الشراء نفسه، والمتاجر البريطانية بدأت تدفع ثمن هذا الخوف قبل أن تكتمل دورة التضخم الجديدة. وإذا استمر هذا المزاج، فقد لا تكون المشكلة المقبلة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في سوق تخفض أسعارها ولا تجد ما يكفي من المشترين.

أخبار ذات صلة.
ألمودوفار: أميركا ليست ديمقراطية الآن
العربي الجديد
منذ 36 دقيقة