عربي
لم تعد أزمة الذهب في الهند مرتبطة فقط بعادات اجتماعية متجذرة أو بمواسم الزواج والادخار التقليدي، بل تحولت إلى معركة اقتصادية تخوضها الحكومة لحماية احتياطيات الدولار ومنع مزيد من الضغوط على الروبية. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع فاتورة الطاقة، وجه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نداء غير مسبوق إلى المواطنين لتقليص شراء الذهب لمدة عام، بعدما قفزت الواردات إلى مستويات قياسية تجاوزت 71 مليار دولار، في وقت تتراجع فيه احتياطيات النقد الأجنبي وتتعرض العملة المحلية لضغوط متصاعدة. وناشد مودي، خلال خطاب ألقاه في مدينة سيكندر آباد بولاية تيلانغانا جنوبي الهند، الأحد الماضي، المواطنين التوقف قدر الإمكان عن شراء الذهب بشراهة، معتبراً أن الهوس بالمعدن النفيس لم يعد مجرد عادة اجتماعية أو ثقافية، بل أصبح عاملاً يضغط على احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية، وينعكس في النهاية على قدرة الهند على مواجهة ارتفاع أسعار الوقود والطاقة.
وجاءت دعوة مودي في ظل أزمة طاقة خانقة تسبب فيها استمرار إغلاق مضيق هرمز نحو 75 يوماً، حيث طلب من الهنود أيضاً تقليص السفر إلى الخارج، وخفض استهلاك الوقود، والعودة إلى العمل عن بعد والاجتماعات الافتراضية، إضافة إلى استخدام المترو ووسائل النقل العام في المدن الكبرى.
وتكتسب دعوة مودي حساسية خاصة في الهند، لأن ما بين 50% و60% من مشتريات الذهب ترتبط بحفلات الزواج والمناسبات الدينية والعادات الاجتماعية، ما يجعل تقليص الطلب عليه يتجاوز القرار الاقتصادي إلى تحد اجتماعي وثقافي واسع. لذلك توجه رئيس الوزراء بندائه مباشرة إلى الأسر الهندية طالباً تجنب شراء الذهب غير الضروري طوال عام كامل. وبحسب بيانات وزارة التجارة الهندية التي نقلتها وكالة "برس ترست أوف إنديا" في 17 إبريل/نيسان 2026، بلغت واردات الهند من الذهب خلال السنة المالية 2025-2026 مستوى قياسياً عند 71.98 مليار دولار، بزيادة 24% مقارنة بالسنة السابقة، رغم تراجع الكميات المستوردة إلى 721.03 طناً مقابل 757.09 طناً في 2024-2025. وتتصدر سويسرا قائمة موردي الذهب إلى الهند بحصة تقارب 40%، تليها الإمارات بأكثر من 16%، ثم جنوب أفريقيا بنحو 10%.
وزاد الضغط على سوق الذهب خلال الأشهر الأولى من 2026، إذ أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي، في تقرير نشره يوم 29 إبريل/نيسان 2026، أن واردات الهند من الذهب بلغت 186 طناً في الربع الأول من العام، بزيادة 58% على أساس سنوي. كما بلغ متوسط الواردات 83 طناً شهرياً في أول شهرين من العام، مقارنة بمتوسط شهري بلغ 53 طناً خلال 2025، قبل أن تؤثر الحرب في المنطقة على شحنات الذهب القادمة عبر الإمارات، إحدى أهم بوابات توريد الذهب إلى الهند. وينعكس هذا الطلب الضخم مباشرة على احتياطيات الهند من العملات الأجنبية، لأن معظم الذهب مستورد ويدفع ثمنه بالدولار، في وقت تحتاج فيه نيودلهي إلى العملة الصعبة لمواجهة فاتورة النفط والغاز المرتفعة. ووفق بيانات بنك الاحتياطي الهندي التي نقلتها "رويترز"، تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي بنحو 5% عن ذروتها القياسية المسجلة في فبراير/شباط الماضي، لتصل إلى 690.69 مليار دولار في الأسبوع المنتهي في 1 مايو/أيار 2026. كما تعرضت الروبية لضغوط حادة، إذ أغلقت يوم الأحد 11 مايو/أيار 2026 عند مستوى قياسي متدن بلغ 95.31 روبية للدولار، بعدما كانت قرب 91 روبية قبل اتساع أزمة الحرب في المنطقة. وذكرت "رويترز" أن البنك المركزي الهندي اضطر إلى التدخل عبر بيع الدولار للحد من تراجع العملة.
وتشير تقديرات حديثة نقلتها صحيفة "بزنس ستاندرد" عن مذكرة لمورغان ستانلي إلى أن الأسر الهندية تمتلك نحو 34.6 ألف طن من الذهب حتى يونيو/حزيران 2025، بينما كان مجلس الذهب العالمي قدّر في تقرير سابق حيازة الأسر الهندية بنحو 25 ألف طن من الذهب، معظمها في شكل مجوهرات ومدخرات عائلية، وهو ما يفوق الاحتياطيات الرسمية المجمعة للولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وروسيا. كما تكشف بنية السوق الهندية الحجم الهائل لاقتصاد الذهب داخل البلاد. فبحسب تقرير مجلس الذهب العالمي الصادر في سبتمبر/أيلول 2022، يتراوح عدد الصاغة وتجار المجوهرات بين 500 ألف و600 ألف تاجر، فيما كان نحو 86 ألف صائغ مسجلين ضريبياً ضمن نظام ضريبة السلع والخدمات.
وتظهر خريطة الطلب أن جنوب الهند وحده يستحوذ على نحو 40% من استهلاك المجوهرات الذهبية، مقابل 25% لغرب الهند و20% لشمالها و15% لشرقها، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي وشركة "ميتالز فوكس". وتضم المراكز الرئيسية لهذه السوق مدناً مثل تشيناي وحيدر آباد وكوتشي وبنغالورو وكولكاتا ومومباي وأحمد آباد ونيودلهي. وفي مومباي، تعتبر سوق "زافيري بازار" مركزاً تاريخياً يضم أكثر من 7000 محل صغير وكبير، وتشير تقارير صحافية هندية إلى أنها تستحوذ على أكثر من 60% من تجارة الذهب في البلاد. كما تكشف المدن المتوسطة استمرار الارتباط الشعبي القوي بالمعدن النفيس، إذ سجلت مدينة ناشيك خلال عيد "داسارا" مبيعات مجوهرات بنحو مليار روبية في يوم واحد، بزيادة 30% عن العام السابق، رغم ارتفاع الأسعار إلى 117 ألف روبية لكل 10 غرامات من الذهب دون الضريبة، في مؤشر على أن الذهب لا يزال بالنسبة إلى ملايين الهنود أداة ادخار وأمان قبل أن يكون مجرد زينة.
(الدولار = 95.90 روبية هندية)

أخبار ذات صلة.
16 مايو... هل يبتسم للنصر بكأسين؟
الشرق الأوسط
منذ 25 دقيقة