Arab
لم يعد مضيق هرمز محتاجاً إلى حرب كي يذكّر العالم بوجوده، فيكفي أن يتحدّث أحد عن احتمالية توتّر، أو أن تمرّ ناقلة في توقيتٍ "غير مريح"، حتى يعود هذا الشريط الضيّق إلى مركز الجملة السياسية العالمية، وكأنّه لم يغادرها أصلاً.
لم تعد المسألة في جوهرها مرتبطةً بسؤال تقليدي من نوع: من يهدّد من؟ وإنّما بسؤال أكثر إزعاجاً: لماذا يبدو العالم كلّه مستعدّاً لتصديق أنّ نقطة جغرافية واحدة يمكن أن تعيد ترتيب ميزان الطاقة والاقتصاد، والتحالفات في لحظة واحدة؟
في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخيراً، بدا المضيق منطقةً ينبغي إبقاؤها تحت السيطرة أو على الأقلّ تحت التهديد بها، لا بوصفه مساراً ملاحياً محميّاً بالقانون الدولي بقدر، بل صارت لهجة تصريحاته جزءاً من بنية تفكير سياسي ترامبي يرى في الجغرافيا أدوات قابلة للإخضاع الاستراتيجي أكثر منها مجالات مشتركة يجب أن تُدار بالتوافق.
لماذا يبدو العالم كلّه مستعدّاً لتصديق أنّ نقطة جغرافية واحدة يمكن أن تعيد ترتيب ميزان الطاقة والاقتصاد، والتحالفات في لحظة واحدة؟
في المقابل، لا تتصرّف إيران طرفاً يردّ على هذه التصريحات والمواقف فقط، بقدر ما تبدو طرفاً يتقن توظيفها وفق منطقها الخاص، فالقوة الإيرانية في هذا السياق تقوم على إبقاء الإغلاق "احتمالاً" دائماً، وليس إغلاقاً كاملاً. هذا الاشتغال على "الاحتمال"، كما عكسه خطاب مسؤولين إيرانيين أخيراً، بدا أداة ضغط فعّالة، فكيف في حال الإبقاء على المضيق في دائرة التوقّع ليُعيد تشكيل حسابات ناقلات النفط وكلفة التأمين، ومسارات الشحن، بل وحتى مزاج الأسواق. لكن ما لا يُقال عادةً في هذا النوع من السرد السياسي الخفي أنّ الطرفين معاً، رغم تناقضهما الظاهري، يساهمان في الوصول إلى النتيجة نفسها، بتحويل المضيق إلى فكرة أكبر من حجمه الجغرافي. فكرة تعمل صماماً دائماً للنظام الدولي، يفتح ويُغلق في مستوى الخطاب قبل الواقع.
ويبدو الوضع المتاخم جلياً في الأسواق، التي تظهر وكأنّها الطرف الأكثر صدقاً في القصّة، فهي لا تتعامل مع الخطابات بوصفها مواقف سياسية، بقدر ما هي مؤشّرات مخاطر. شركات التأمين البحرية لا تنتظر تصاعد الأزمة من جديد كي تعيد تسعير المرور في المنطقة، فيكفي ارتفاع نبرة التصريحات أو زيادة التوتّر الإقليمي حتى تُعاد كتابة معادلة الكلفة فوراً. وهكذا يتحوّل المضيق إلى ما يشبه مؤشّر خوف عالمي، لا يقلّ أهميةً عن أسعار النفط نفسها. أمّا الصين، التي غالباً ما تُستدعى في هذا النوع من التحليل فاعلاً صامتاً، فهي ليست خارج المشهد كما يبدو. اعتمادها العميق على الطاقة القادمة من الخليج يجعلها حاضرةً في كلّ حساب، حتى حين لا تُذكر، ويجعل حضورها غير معلَن جزءاً من تعقيد الصورة، فالمضيق لا يُدار فقط بين من يهدّد ومن يردّ، بقدر ما يدار بين من يستهلك بصمت ومن يراقب من دون إعلان موقف مباشر.
السؤال لم يعد مرتبطاً بالممرّ الجغرافي بقدر ما هو مرتبط بمستجدّات دولية متسارعة وجدت في الجغرافية الضيّقة مجالاً لإعادة صياغة مفاهيم القوة والخطر وحدود السيطرة
لن تمرّ أزمة هذا المضيق بسهولة، ولن يقتصر هذا على المستويين، الاقتصادي والسياسي، فما يجعلها قابلة للاستمرار أنّها أزمة تأسّست على بنية دائمة من التوتّر الممكن، وليس على حدث عسكري، فالملاحظ بوضوح أنّه لا توجد ذروة واضحة يمكن القول عندها إنّ الأزمة انتهت، بقدر ما أنّ هناك مستويات مختلفة من الضغط التي تتغيّر وتتبدّل ولكنّها لا تختفي.
بات من الجلي أنّ مضيق هرمز أقرب إلى استعارة سياسية منه إلى ممرّ بحري. استعارة عن عالم لا يستطيع التخلّص من نقاط الاختناق، لأنّه في العمق يعتمد فيها من زاوية أنّ النظام الدولي، رغم ما يعلنه من التنويع والمرونة والقدرة على الاحتكام إليه، ما زال يحتاج إلى أماكن يمكن أن يتكثّف فيها التوتّر كي يُعاد من خلالها تذكير الجميع بأنّ الاستقرار توازن يُدار باستمرار، وليس حالةً طبيعيةً تؤطّرها القوانين المتعارف عليها دولياً.
خلاصة القول إنّ ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز بكثير حدود المضيق نفسه، ليصل إلى طبيعة التحوّلات الجارية في النظام الدولي. فالسؤال لم يعد مرتبطاً بالممرّ الجغرافي بقدر ما هو مرتبط بمستجدّات دولية متسارعة وجدت في الجغرافية الضيّقة مجالاً لإعادة صياغة مفاهيم القوة والخطر وحدود السيطرة، بما يُدرج ذلك في القاموس الجديد للسياسة والاستراتيجيات الدولية ويفتح المجال لإعادة رسم خرائط النفوذ وصناعة مراكز قوة جديدة.

Related News
البصق على المسيحيين… الفاشية عقيدة
alaraby ALjadeed
57 minutes ago