Arab
يبدو أن تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران يلقي بظلال من الشك حول ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيجري زيارته المخطط لها إلى بكين، 14 و15 مايو/ أيار المقبل، خصوصاً أن استئناف الحرب بين إيران والولايات المتحدة، إن حدث، فقد يزيد من المخاطر الدبلوماسية للرحلة إذا ما تمت بالفعل. وكان خُطِط في البداية لزيارة ترامب إلى بكين في أواخر مارس/ آذار الماضي، لكن ترامب أعاد جدولة الرحلة، للتركيز على الحرب التي اندلعت أواخر فبراير/ شباط الماضي. وتعد هذه الزيارة الأولى لترامب إلى الصين منذ عام 2017 خلال ولايته الأولى، إذ التقى حينها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، ووقع اتفاقيات تجارية بقيمة نحو 253 مليار دولار.
وقبل ساعات من الموعد الذي كان مقرراً لانتهاء وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، الذي استمر أسبوعين، أعلن الرئيس الأميركي الثلاثاء الماضي أنه سيمدد الهدنة الهشة مع إيران، دون تحديد مدتها الزمنية. جاء ذلك بعد تعليق رحلة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان لإجراء جولة ثانية من المفاوضات، ثم تأجيلها لأجل غير مسمى.
شكوك بشأن زيارة ترامب إلى بكين
وعلّقت وسائل إعلام صينية على هذه التطورات، بالقول إنه مع تأجيل المفاوضات، من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الأميركي سيكون مستعداً للنظر في استقرار العلاقات، بين واشنطن وبكين، أكبر اقتصادين في العالم. وأضافت أن هذا التغيير المفاجئ في اللحظة الأخيرة يؤكد انعدام الثقة العميق بين طهران وواشنطن، ويطرح علامات استفهام حول زيارة ترامب إلى بكين واستعداده بالفعل للتوجه إلى الصين. وأشارت إلى أن استمرار الحصار حول مضيق هرمز يضع بكين في مأزق، وقد يؤدي إلى عرقلة القمة المرتقبة بين ترامب وشي. وقد حثت الصين باستمرار جميع الأطراف على التزام الهدوء وضبط النفس، مؤكدة أن الحرب هي السبب الجذري لتعطيل الملاحة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جيا كون، في إفادة صحافية يومية أخيراً، إن الصين تأمل أن تلتزم الأطراف بترتيبات وقف إطلاق النار المؤقت وتجنب إشعال نيران الحرب من جديد.
لكن بعيداً عن التصريحات الدبلوماسية كان واضحاً أن الصين أدت دوراً خلف الكواليس في الدفع نحو التفاوض بين أميركا وإيران في باكستان. وفيما قال ترامب لوكالة فرانس برس، في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، إنه يعتقد أن "الصين دفعت إيران إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول باتفاق وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين"، كانت وكالة فرانس برس نقلت عن مسؤول باكستاني كبير مطلع على المفاوضات في العاشر من إبريل تأكيده الدور المحوري للصين بقوله إن "الآمال كانت تتلاشى، لكن الصين تدخلت وأقنعت إيران بقبول وقف إطلاق نار أولي". وأضاف المصدر الذي طلب عدم كشف هويته لحساسية المسألة: "رغم أننا قمنا بدور محوري، إلا أننا لم نتمكن من تحقيق اختراق، وهو ما تحقق في النهاية بعدما أقنعت بكين الإيرانيين".
وكانت وسائل إعلام أميركية من بينها صحيفة "نيويورك تايمز"، قد ذكرت أن الصين لعبت دوراً خلف الكواليس بالتوصل للهدنة المؤقتة، فيما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، حينها، إن الصين بذلت "جهوداً نشطة" لإنهاء الصراع. وهذا الدور يبدو أنه يتكرر في الأيام الأخيرة من دون أن تظهر نتائجه بعد، إذ نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" مساء أول من أمس الأربعاء، عن مصادر دبلوماسية إقليمية، أن الصين منخرطة خلف الكواليس في الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة، وتسعى للتعاون مع قادة الحرس الثوري الإيراني "بهدف تليين مواقفهم". وتنظر الصين بقلق بالغ إزاء التطورات في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل الحصار الأميركي واستمرار إغلاق مضيق هرمز، باعتبار أن ذلك يهدد سلاسل التوريد الصينية وأمن الطاقة والتجارة مع دول الخليج، والتي تعد سوقاً مهماً للصادرات الصينية. وشكّلت دول الخليج 42% من واردات الصين من النفط الخام العام الماضي، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية، كما أن نحو 12% من واردات الصين من النفط الخام جاءت من إيران. بالإضافة إلى ذلك، تستورد الصين ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، حيث تزود قطر الصين بما يصل إلى 28%.
معضلة الصين
في هذا الصدد رأى الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية في تايبيه، خون وانغ، أن الصين تواجه معضلة حقيقية إزاء استمرار الأزمة في الشرق الأوسط، عازياً ذلك في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى "تعنّت الطرفين الأميركي والإيراني، ما يعني أنه لا انفراجة قريبة، وأن الأمر يتجاوز حدود التكتيك واللعب على وتر الوقت". وأمام هذا الواقع الصعب والشائك لا يمكن لبكين، وفق خون وانغ، أن تستمر في نهجها المتحفظ، "لأن تكلفة ذلك هو المساس بمصالحها الحيوية سواء ما يتعلق بتصريف صادراتها، أو ما يرتبط بإمداداتها من الطاقة، وهما أمران يعتبران جوهر ما تقوم عليه إمبراطوريتها الاقتصادية".
خون وانغ: تشديد الرقابة الأميركية حول مضيق هرمز، سيشمل دون أدنى شك السفن الصينية التي تحمل النفط الإيراني
وفي رأيه فإن "تشديد الرقابة الأميركية حول مضيق هرمز، سيشمل دون أدنى شك السفن الصينية التي تحمل النفط الإيراني وتتخفى خلف أعلام دول أخرى، وهي الوسيلة التي انتهجتها بكين في التعامل مع طهران للالتفاف على العقوبات الأميركية". وأوضح أن من شأن ذلك "خلق نقاط اشتعال جديدة وتسبُب في مواجهة مباشرة بين الصين والولايات المتحدة، ما سيلقي بظلاله على العلاقات بين البلدين قبل القمة المرتقبة بين ترامب وشي، هذا إن لم تُلغَ (زيارة ترامب إلى بكين)، بسبب استمرار الحرب أو الصدام البحري المباشر في أعالي البحار".
ورقة أميركية
من جهته، اعتبر أستاذ الدراسات السياسية في جامعة صن يات سن (الصين)، وانغ جو، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "تمسك ترامب بفرض الحصار البحري على إيران، بالرغم من اقتراب الطرفين من التوصل إلى تسوية في محادثات باكستان، قد يكون مدفوعاً بحسابات استراتيجية لها علاقة بالصين". وأوضح أن هذه الحسابات تشمل على سبيل المثال "الوصول إلى بكين في إطار هدنة مع طهران، مع الإبقاء على التحكم الأميركي بحركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، واستخدام هذه الورقة لابتزاز الصين في ملفات أخرى على طاولة المحادثات مع شي".
وانغ جو: لا تقبل الصين ربط مسار العلاقات مع الولايات المتحدة بملفات إقليمية ودولية
لكن وانغ جو، حذّر من أن "هذا النهج كفيل بهدم الجهود الدبلوماسية التي بذلها الطرفان (الصين وأميركا) منذ القمة الأخيرة التي جمعت الزعيمين العام الماضي (في كوريا الجنوبية)، لأن بكين ترفض سياسة الأمر الواقع ونهج التهديد الذي يستخدمه ترامب مع خصومه". كما لا تقبل الصين، وفق وانغ جو، "ربط مسار العلاقات بين البلدين بملفات إقليمية ودولية، وهي عوامل قد تفضي إلى إفشال القمة" المقبلة. كذلك توقّع وانغ جو، أن يتم إرجاء زيارة ترامب إلى بكين ما لم يتم التوصل إلى اتفاق مع طهران، لأن استمرار الأزمة، حسب قوله، سيزيد من الضغط الداخلي على الرئيس الأميركي، وبالتالي سيكون بحاجة إلى مزيد من التركيز ومواكبة التطورات عن قرب.

Related News
"البتروكوين": سيناريو رسوم هرمز "المشفرة"
alaraby ALjadeed
20 minutes ago
ترمب يهدد بفرض «رسوم جمركية كبيرة» على المملكة المتحدة
aawsat
31 minutes ago
أسطورة التفاهم
alaraby ALjadeed
1 hour ago