مستقبل لبنان في إسلام أباد
Arab
1 hour ago
share
في ظلّ تراشق الاتهامات داخل البيت اللبناني، يبدو السؤال المُقلِق: هل يلتقي رئيس الجمهورية جوزاف عون رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، لإعطاء المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة زخماً غير مسبوق، وأبعد بكثير من لقاء سفيرَي الجانبين في واشنطن؟ لا يتوقّع مراقبون سياسيون حدوث هذا، لأنّهم يعتبرونه انتحاراً سياسياً للرئيس، الذي يفترض أن يكون حلقة وصل بين مختلف الفرقاء في الدولة اللبنانية. وأكثر من ذلك، هناك من يرى أنّ هذه ستكون خطوة غير محسوبة، ولها عواقب في الداخل اللبناني، خصوصاً إذا ما استمرّت الحرب على إيران من دون التوصّل إلى اتفاق دولي، وبقي حزب الله من دون احتواء أو تدجين. أصوات في لبنان تستغرب التهويل وحالة الاستنكار بعد لقاءات سفيرَي لبنان والاحتلال الإسرائيلي في واشنطن، وتتساءل: لماذا وحده لبنان محرّم عليه التفاوض والتفاهم مع إسرائيل لضمان أمنه وسيادته وسلامة مواطنيه؟ يذكّر هؤلاء بأنّ مصر (الشقيقة الكُبرى) وقّعت اتفاق كامب ديفيد قبل عقود (1978)، ووقّعت منظّمة التحرير الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات، اتفاق أوسلو (1993) من دون أن تتشاور مع العالم العربي أو تنسّق معه، ووقّع الأردن اتفاقية وادي عربة (1994). حتى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فاوضت إسرائيل بشكل غير مباشر بوساطة مصرية – قطرية، بعد عامَين من حرب الإبادة على غزّة. لن تكون الاتصالات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن سابقةً أولى، فهناك سجلّ من الاتصالات والاتفاقات بين إسرائيل ولبنان، إلّا أنّ جلّها باء بالفشل، أو سقط. في أرشيف الإعلام اللبناني والدولي معلومات واتهامات عن اتصالات زعماء لبنانيين مع إسرائيل، تبدأ مع بشارة الخوري وتمتدّ إلى كميل شمعون والأخوَين بشير وأمين الجميّل، وهناك أيضاً من عمل وكيلاً لدولة الاحتلال، بل عميلاً لها، مثل سعد حدّاد وأنطوان لحد، اللذَين أسّسا جيش لبنان الجنوبي في أواخر السبعينيّات، قبل أن يتفكّك، وفرّت قياداته عند انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. الاتصالات بين الفريقَين اللبناني والإسرائيلي لا قيمة لها على أرض الواقع إذا لم يُوقَّع اتفاقُ أميركي مع طهران في حديث مع دبلوماسي عربي عن الحرب على إيران، تطرّق حُكماً إلى لبنان، وقال بثقة وبلهجة ساخرة: لماذا يتفاوضون في واشنطن إذا كان الحلّ في إسلام أباد؟ كلمات بسيطة تختزل الواقع؛ فالاتصالات بين الفريقَين اللبناني والإسرائيلي لا قيمة لها على أرض الواقع إذا لم يُوقَّع اتفاقُ أميركي مع طهران، فمهما كانت النتائج والتفاهمات، كيف يمكن تنفيذها في لبنان إذا لم تحظَ بموافقة، أو على الأقلّ بغض النظر من حزب الله، وهذا بالتوالي، لن يحدث من دون رضى السلطة الإيرانية، أو سكوتها. على هامش المفاوضات في إسلام أباد، تبذل طهران كلّ جهدها لتُبقي الورقة اللبنانية في جيبها، والمعلومات الراشحة تشير إلى أنّ الوفد الإيراني يطالب الجانب الأميركي بوقف إطلاق نار شامل، وبانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان. وفي المقابل، هناك تيار مؤثّر في البيت الأبيض، بضغط إسرائيلي، يصرّ على ضرورة فصل المسارات، وتجريد إيران من فرض شروطها في لبنان، أو في أيّ من مناطق نفوذها. وبالتوازي مع تحرّك واشنطن، تنشط باريس والقاهرة للحضور في المشهد اللبناني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عاتب وغاضب من قيادات الدولة اللبنانية التي لم تُشرك قصر الإليزيه في المفاوضات مع إسرائيل. السلطة اللبنانية، بقيادة الثنائي جوزاف عون ونوّاف سلام، تريد توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، لكنّ توازنات الداخل اللبناني لا تسمح بهذا الهامش من الحركة القاهرة، وفقاً لمصادر متعدّدة، وبالتنسيق والدعم السعودي، اقترحت نقل المفاوضات من واشنطن إلى شرم الشيخ، وهو أمر لم يلقَ ترحيباً بعد، رغم الحديث عن إعداد ورقة عمل لحلّ النزاع تتضمّن مراحل أوّلها وقف الأعمال الحربية في لبنان في مقابل برنامج تنفيذي مُعلَن يحصر السلاح في الجنوب اللبناني بيد الجيش وحده، ويصرّ المصريون في تحرّكهم السياسي على أنّ نزع سلاح حزب الله يجب أن يتم من دون اللجوء إلى القوة. الحقيقة أنّه رغم ما تعرّض له حزب الله من ويلات ممتدة، وصلت إلى اغتيال زعيمه وقائده حسن نصر الله، فإنّه لا يزال يُعدّ القوة الأولى في الداخل اللبناني من دون منافس، وهو قادر حتى الآن على قلب الطاولة والانقلاب على السلطة والسيطرة على الدولة إذا أراد، كما حدث في "7 أيار" (2008)، حين سيطر الحزب على بيروت في مواجهة سياسية وعسكرية غير مسبوقة انتهت باتفاق الدوحة. وخلاصة سيناريوهات المستقبل اللبناني أنّ أيّ حلّ لا يحظى بتوافق داخلي لن يمرّ، وحزب الله يملك "فيتو" لتعطيل أيّ تفاهمات بحكم الأمر الواقع. وتغيير هذه المعادلة يتطلّب التخلّص من حزب الله، وهو أمر صعب لا تستطيع أيّ قوة لبنانية تحقيقه، وحتى لو وُجد تفويض دولي أو عربي، أو حتى أممي، لتجريد الحزب من قوته على غرار تجربة "قوات الردع العربية"، فإنّ هواجس الحرب الأهلية تبقى حاضرةً، وهي خطوة لا ترغب أيُّ قوّة لبنانية في خوضها، لأنّها وصفة للخراب. المشكلة ليست لبنانية حتى مع وجود حزب الله، بل تكمن في الكيان الإسرائيلي التوسّعي لا تتجه الأنظار إلى واشنطن، بل إلى إسلام أباد، فإذا نجحت إيران في توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة، فإنّ الطريق إلى تفاهمات بين بيروت وتل أبيب ستصبح سالكةً. السلطة اللبنانية، بقيادة الثنائي جوزاف عون ونوّاف سلام، تريد توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، لكنّ توازنات الداخل اللبناني لا تسمح بهذا الهامش من الحركة، وعلى الأرجح، قد يتم التوصّل إلى اتفاق أمني مرتبط بتهدئة طويلة الأمد. في الصراع القائم، لم تكن المشكلة لبنانية حتى مع وجود حزب الله وقوّته، بل تكمن في الكيان الإسرائيلي التوسّعي الذي يسعى إلى السيطرة على الأراضي والموارد، ويختلق الذرائع للحفاظ على هذا الوضع. اليوم، تحتلّ إسرائيل 55 قرية لبنانية، وتفرض خطّاً أصفرَ جديداً، كما تفعل في غزّة وسورية والضفة الغربية، ولا ترغب في الانسحاب من الأراضي التي احتلّتها بدعوى أنّها مناطق عازلة لحمايتها. وإذا كُتب لمفاوضات إسلام أباد النجاح، فقد تنجح الجهود الدبلوماسية الدولية والعربية في إعادة تشكيل حكومة لبنانية فاعلة، وإعادة ترسيم الحدود البرّية بين لبنان وإسرائيل على غرار تجربة ترسيم الحدود البحرية، وإنجاز ترتيبات أمنية في الجنوب خطوةً أولى، مع توسيع صلاحيات الجيش اللبناني، وصولاً إلى تهدئة واتفاق طويل الأمد لوقف إطلاق النار بموافقة حزب الله، وآليات جديدة لحلّ النزاع من دون تصعيد عسكري من الجانبَين. إذن، ما دامت المعادلات الداخلية في لبنان على هذا الحال، فإنّ أفضل ما يمكن أن يحدث ألّا حرب ولا سلام، ويبقى الوضع معلّقاً بانتظار التغيّرات الإقليمية والدولية للإجابة عن أسئلة المستقبل اللبناني.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows