Arab
لو كرّس الذين اجتمعوا في برلين مؤتمرَهم لبحث آليات إطفاء الحرب السودانية، لحققوا إنجازاً. أمّا وقد آثروا النسج على منوال سابقَيه (لندن وباريس) فإنه ليس غير ثالثة أثافٍ. فكل حديثٍ في شأن الأزمة السودانية يسبق إنهاء الحرب يضع العربة أمام الحصان. انتهى مؤتمر برلين بوثيقةٍ تشدد على حتمية إيقاف الحرب وتعهدات بمليار دولار و300 مليون يورو لدعم الجهود الإنسانية. وتوافق المجتمعون المدنيون على عملية سياسية تفضي إلى سلام دائم، ومن أولويات هذه العملية المستهدفة معالجة "جذور الأزمة"، ونصب موازين العدالة وكبح خطاب الكراهية. هذه خلاصات رائعة في سياق الأدب السياسي، لكنها رغائب عزيزة المنال على صعيد الواقع السوداني البئيس. أنصار معسكر النظام الانقلابي أسدوا خدماتٍ مجّانية ترويجاً للمؤتمر قبل انعقاده وإبانه بالكلام غير المباح في الإعلام والتظاهر المضادّ. ... ليس المؤتمر حرثاً في البحر، لكنه جهدٌ متواضع لا يرقى إلى صبّ الماء على النار. إذ لم يحسم أسئلة الساعة السودانية الأكثر إلحاحاً.
***
من دون التشكيك في وطنية قوام المؤتمرين، يحق لكل سوداني التساؤل عما إذا كان المجتمعون يتمتعون بالقدرة على حفر مخرج من الأزمة الحارقة للشعب والوطن. ذلك سؤالٌ مصدره ارتباطُ غالبية الوجوه، إن لم يكن جميعها، بثنايا "جذور" الأزمة، أو ربما الحرب نفسها. كذلك فإنهم يواجهون أسئلة منطقية إزاء الإخفاق في إنجاز العدالة غداة تبوّئهم مواقع داخل قمة سلطة الثورة. هم مطالبون كذلك بممارسة نقد ذاتي، بغية التطهّر من التفريط في مكاسب ثورة شعبية سخية البذل والفداء. لم يبرئ مؤتمر برلين نفسه من مثل تلك التشوهات، إذ رفضت حفنةٌ استكمال مشهد التضامن الجماعي على ما أريد له من بهاء، مع أن تلك المجموعة ممن قيل إنها ضمن القيمة المضافة للمؤتمر!
أقصى مكاسب القوى المدنية إظهارُ قدرتها على الحركة في الفضاء الدولي
***
شاركت دول ومنظّمات أمميةٌ في المؤتمر. لها الثناء -من منطلقات إنسانية. قدّمت دولٌ تعهداتٍ مالية، لها الامتنان، ليست مضمونة الوفاء. أما الحكومات والمنظّمات الإقليمية المشاركة بغية تفكيك الأزمة، فهي أندية سياسية خربة، ليس من ورائها رجاء. من هؤلاء الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية و"الإيغاد" ودول الجوار. من هاتيك بريطانيا، فرنسا وألمانيا. الاتحاد الأوروبي وأميركا مرتبكان حاليّاً عند مضيق هرمز. مع ذلك، يظل السؤال العالق يرتبط بكيفية تأمين تدفق المساعدات الإنسانية، حتى تصل إلى ملايين المشرّدين في فجاج السودان وفلواته. هؤلاء الذين جرفتهم الحرب القذرة بعيداً خارج الحياة المعاصرة، وربما تفضي بهم إلى "العصر الحجري". الإجابة الحاسمة تتحدّث عن حتمية إطفاء نار الحرب أولاً. أي جهد خيري يسبق بسط السلام لن يشفي معاناة المواطن، فأطراف الاقتتال تستثمر كل عون مادّة للابتزاز والاكتناز، ووزير المالية يتربص بالمساعدات المالية. هذا واقعٌ يفرض على القوى المدنية السودانية استبصار أيّ الآليات المتاحة على الصعيد الدولي لبلوغ هذه الغاية النبيلة والملحّة. كل جهد لا يستهدف إيقاف الحرب قد يحظى بتقدير، لكنه غير كافٍ حتماً لنيل شرف تفكيك الأزمة الوطنية.
***
كالعادة، يفقد النظام الانقلابي الحكمةَ والمنطق حينما يدين مؤتمرَ برلين بصفته تدخّلاً أجنبياً غيرَ مشروع، فالنظام نفسُه لا يفتقد فقط الشرعية، بل هو مجرّمٌ بانتهاك الدستور. ثم هو في إصراره على مواصلة "حرب الكرامة" يهدر كرامة الشعب والوطن والدولة. كذلك يفعل برفضه قبول المساعدات الإنسانية خارج شروطه غير المقيّدة لأطماع وزير المالية الشره. النظام يتجاهل عمداً مكابدة ملايين السودانيين في ملاذات النزوح واللجوء. فعن أي كرامةٍ يتحدّث المرجفون على منصّات الإعلام والسياسة؟ ما من عاقلٍ يراهن على اختراقٍ في مؤتمر برلين، فهو ثالث اثنين لم يقدّما ما يجعل مثل هذا الرهان منطقيّاً.
التباين السوداني اللزج تجاه مؤتمر برلين أحد أعراض أمراض المجتمع إبّان مرحلة الاضطراب الراه
أقصى مكاسب القوى المدنية إظهارُ قدرتها على الحركة في الفضاء الدولي. لو اتسمت السلطةُ بقدرٍ من الحكمة، لما أثارت كل هذه الجلبة الفارغة، إذ لم تعرقل المؤتمر. على النقيض، ساهمت في منحه زخماً على الصعيدين، الداخلي والخارجي، وسّع صداه.
***
التباين السوداني اللزج تجاه مؤتمر برلين أحد أعراض أمراض المجتمع إبّان مرحلة الاضطراب الراهن. فمع كل بارقة لفتح كوّة في جدار الأزمة المستحكمة، يتصاعد جزعٌ غير مبرّر من كل الفرقاء. هذا ملمحٌ يؤكد تآكل الثقة وعمق الانهيار داخل المجتمع برمّته. فإبان الاضطرابات الكبيرة تتفشّى أمراض سوسيولوجية متباينة، كالكساد والبطالة، الإرهاب والخوف، الجوع والأوبئة، الانحطاط والتشاكس. للتردّي الاقتصادي باعٌ طويلة في هذه الانكسارات، لكن أخطر الأمراض ربما فقدان ثقة المجتمع في الدولة، إذ تضمحل علاقات الشعب بالمؤسّسات الرسمية والشعبية. يدرك الفرقاء مسبقاً محدودية نتائج مؤتمر برلين. يتساوى في هذا دعاة المؤتمر وأنصار النظام. لكن حرارة التباين لا ترتفع نتيجة رد فعل مباشر لنتائج المؤتمر، بل بفعل حمى سبقت التئامه، كما حدث مع أمثاله من قبل، فانهيار الثقة لا يقتصر على إصلاح النظام أو تغييره، بل في فقدان الاطمئنان إزاء إمكانية الرجوع إلى السودان القديم. مع استفحال الأزمة، يتضخم الشعور بالخيبة في بروز قيادة من داخل معسكر النظام تتمتّع بمؤهلات إخراج الشعب من المتاهة، أو قيادة على الربوة المقابلة قادرة على بناء البديل.
***
لن يتأتى استرداد ثقة الجماهير عبر المسارات النمطيه. تأطير العمل الانساني مدخلاً لإنهاء الحرب تفكير تقليدي عاجز يصطدم عبر التجربة بأكثر من عائق وحاجز. ربما أولها غطرسة الانقلابيين وتشرذم القوى المدنية. ذلك السياق المهترئ للواقع السوداني يجعل تقديم مسارات المساعدات الإنسانية على وقف الحرب حداءَ شُعراء، لا نهج ساسة. الأولوية القصوى المطلقة الحاسمة على درب الخروج من المحنة القاسية ينبغي تكريسها لوقف الحرب. تلك مهمة تتطلب بناء مواقف. حينما تشرق أشعة السلام يصبح في الإمكان غرس بذور كل الحلول لكل القضايا على الأرض، لا في البيانات. على القوى المدنية تخطّي مرحلة الرضا في المناسبات الموسمية. من دون هذا تدور الذكرى الرابعة لانفجار الحرب عليها في عاصمة مغايرة! إحالة العمل السياسي إلى نشاط موسمي لا يصنع تاريخاً مجيداً. إن كانت مثل هذه المؤتمرات تُبقي على جمرة القضية السودانية متقدة، فمن الأهم إبقاء جذوة ثالوث الثورة: حرية، سلام، عدالة، مشتعلة في أذهان القوى السياسية وضمائرها.

Related News
صراع الساحات
alaraby ALjadeed
1 hour ago