Arab
ظننا، نحن المحبّين والمتابعين للفن السابع، أنّ إطلالة توركان شوراي (81 عاماً) في أنقرة، ثم في حفل بلدية كادي كوي في إسطنبول صيف العام الماضي، ليست سوى تكريمٍ لأيقونة السينما التركية؛ "السلطانة" كما يُلقّبونها. لكن تكرار الإطلالات هذا الشتاء، في مرسين ثم في أنقرة، وقيامها بغناء بعض أغاني أفلامها برفقة "كورال الأمل"، بدّد هذا الظنّ.
"كورال الأمل"، المؤلّف من نساء تجاوزن السبعين، أو مَن يُعرفن في تركيا بـ"الجميلات المسنّات"، كشف الرسالة سريعاً. القصة ليست تكريماً لمسيرة استثنائية فحسب، بل هي تأكيد أنّ العمر ليس رقماً في بطاقة الهوية، وأنّ اتساع خانة العشرات لا يُعيق الإبداع. نحو مئة امرأة بملابس تستعيد أزمنة سابقة، وبما ينسجم مع مشاهد أفلام "السلطانة" المعروضة خلفهن، يغنّين للحياة والأمل والحب والجمال.
ولرسالة شوراي، ومعها نساء الكورال، صدى يتجاوز لحظة المتعة الأولى. فإطلالة نجمة السينما وسفيرة النيّات الحسنة تركت أثرها في الشابات التركيات اللواتي عدن إلى الاقتداء بـ"مدرسة الجمال المحتشم" (mütevazı)، بينما سارعت صانعات المحتوى إلى تقليد حضورها، من اللباس إلى تسريحة الشعر وطول الرموش، ومن بينهنّ ألينا بياظ غول التي حققت انتشاراً واسعاً على "تيك توك" و"إنستغرام"، مستثمرة هذا الحضور في الترويج لعلامات تجارية.
هكذا يتأكد أن جمال الثمانينيات ليس "موضة قديمة" طواها الزمن، بل أيقونة قابلة للحياة في عالم اليوم، رغم ما فيه من صخب وتسارع وجنون موضة. بل إنّ هذا الأسلوب بات يُسمّى، ببساطة، "طراز شوراي". وسرعان ما تحوّل الاقتداء بـ"السلطانة" إلى "حالة" بين الشباب التركي. في عالم التجميل ظهرت "رموش توركان"، حتى أقيم لها معرض في أرزروم، فيما انشغلت صانعات المحتوى بإنتاج مقاطع تعليمية تعيد تقديم جمالها الكلاسيكي، من الرموش المتباعدة إلى تسريحة الريترو التي أرست موضة بعد فيلمها الشهير "العودة".
ولم يتوقف الأثر عند الشكل، بل امتد إلى اللغة أيضاً. كلمات شوراي عن الحب والرومانسية، ودفء اللقاء مع الجمهور، تحوّلت إلى عبارات متداولة بين الشباب. المرأة التي "تحدّت الزمن"، كما يصفها الأتراك، استعادت حضورها منذ فبراير/شباط الماضي، بنظراتها العميقة ووشاحها الأحمر الذي عاد رمزاً للرومانسية الريفية والأناقة البسيطة، استلهاماً من فيلمها الأشهر "فتاتي ذات الوشاح الأحمر".
ربما بدأنا الحكاية من نهايتها. فشوراي ليست مجرد نجمة عابرة، بل واحدة من "البرسيم الرباعي" إلى جانب فاطمة جيريك وهوليا كوتش وفيليز أكين، لكنها الأكثر حضوراً وإنتاجاً، مع نحو 222 فيلماً. ويأتي فيلمها "فتاتي ذات الوشاح الأحمر" في صدارة الأعمال الرومانسية التركية، إذ أدّت دور آسيا أمام قدير إينانير، إلى جانب أفلام أخرى كرّست صورتها "امرأةً قوية".
عُرفت توركان شوراي أيضاً بصرامتها المهنية؛ رفضت القبلات والمشاهد الحميمية، وامتنعت عن التصوير ليلاً أو في أيام العطل، بل احتفظت بحق اختيار شريكها في البطولة، مع استثناءات قليلة كسرت فيها بعض قواعدها. أما بدايتها، فكانت مصادفة. طالبة ثانوية ترافق جارتها إلى استوديو تصوير عام 1960، فيلفت جمالها نظر المخرج، فتبدأ رحلتها بفيلم "ريح الحب"، لتخرج مع والدتها من ضيق العيش إلى حياة مختلفة. ومنذ ذلك العام، تتابعت الأعمال بوتيرة لافتة، حتى أصبحت أحد أبرز وجوه السينما والدراما في تركيا.
ورغم إعلان توركان شوراي الاعتزال عام 2019، بعد نصف قرن من النجومية، ظلّ حضورها مستمراً ويتجدّد مع كل إطلالة. وفي حياتها الشخصية، شكّل زواجها من جيهان أونال محطة لافتة، أثمر عن ابنتها ياغمور التي واصلت الطريق في الإنتاج والتمثيل، لتبقى العلاقة بينهما نموذجاً متكرراً للظهور المشترك والتأثير المتبادل في المشهد الفني التركي.
