Arab
كشفت الاحتجاجات التي شهدتها دمشق، أول من أمس الجمعة، العديد من الاحتياجات والمطالب التي ينشدها السوريون من الحكومة، سواء على المستوى السياسي أو الخدمي أو الاقتصادي، بعد أن مر وقت كافٍ بنظرهم كي يتلمسوا نتائج الوعود التي أطلقتها الإدارة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، في ما يتعلق بتحسين واقعهم المعيشي والخدمي وعودة النشاط السياسي في البلاد.
ولعل أحد أهم أسباب تلك الاحتجاجات هو تراجع الواقع المعيشي والقدرة الشرائية لدى غالبية السوريين بدل تحسنها، يضاف إليه القرارات الاقتصادية المجحفة بحقهم والتي تستنزف المواطن بالدرجة الأولى. فرغم الزيادات المتلاحقة في أجور العاملين بالدولة والتي تعدت الـ300% إلا أن رفع الدعم عن معظم السلع والخدمات وارتفاع الأسعار بنسب فاقت هذه الزيادات، أدى إلى ارتفاع مستويات الفقر. وعلى سبيل المثال ارتفع سعر ربطة الخبز نحو عشرة أضعاف منذ سقوط نظام الأسد. ومما زاد من سوء الوضع المعيشي رفع أسعار الكهرباء والاتصالات بنسب تفوق قدرة المواطن لدرجة أصبحت فيها فاتورة الكهرباء، رغم انقطاعها المتكرر، تساوي أكثر من ثلث راتب الموظف الحكومي، كما أن رفع الدعم جزئياً عن قطاع الصحة زاد أيضاً من أعباء الاستشفاء.
يعني ذلك أن الحكومة بدأت بتطبيق سياسات اقتصاد سوق متوحش بدءاً من الشق الذي يبدأ برفع الدعم عن السلع والخدمات المرتبطة بحياة السكان، قبل أن تستقطب استثمارات ومشاريع تحسن من واقعهم المعيشي. وعلى الصعيد السياسي لا يزال غياب مجلس الشعب هو السبب الأهم وراء توقف الحياة السياسية وبروز المطالب التي تدعو إلى تفعيل الحياة السياسية في البلاد، كون كل تلك المطالب ترتبط بانعقاد هذا المجلس لناحية سن جميع القوانين المرتبطة بتحسين الحياة السياسية من قانون أحزاب وقانون إعلام وتشريعات تنظم عمل المجتمع المدني.
أما على مستوى تنظيم هذا الاحتجاج وتعاطي السلطات معه، فقد كان الاحتجاج منظماً ويحمل طابعاً سلمياً، فيما اقتصرت معظم مطالبه على الجانب الخدمي والاقتصادي مع بعض اللافتات التي تحمل مطالب سياسية. وكان تعاطي قوات حفظ الأمن مع تلك الاحتجاجات بطريقة حضارية، إذ حضرت قوات الأمن لحماية المحتجين ومنع الاعتداء عليهم من بعض مؤيدي السلطة الذين حضروا واحتلوا ساحة المحافظة التي كانت مقررة كساحة للاحتجاج، وبدأوا بترديد الشعارات المؤيدة للسلطة والتي تخوّن المحتجين وتتهمهم بالعمالة لنظام الأسد.
ورغم حضور عدد كبير من عناصر مكافحة الشغب وتشكيلهم حاجزاً بين المحتجين ومؤيدي السلطة، ورغم إعطاء هؤلاء العناصر ظهورهم للمحتجين ما يؤشر على أن مهمتهم هي حمايتهم وليس الاعتداء عليهم، إلا أن السلطة تتحمل المسؤولية عن السماح أو السكوت عن خروج مؤيدين لها لتخريب أي احتجاج واتهام من يقومون به بالعمالة. فمن شأن هذه التصرفات أن تؤدي إلى صراع ساحات قد يفضي إلى حوادث عنف، وفي حال خروجه عن السيطرة قد يؤدي إلى فلتان أمني قد لا تتمكن السلطة من السيطرة عليه.
