Arab
انعكست الحرب الإيرانية على الأسواق العالمية ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط، متجاوزة 100 دولاراً للبرميل. فيما يفترض أن تنعكس هذه الطفرة صعوداً في إيرادات الدول المنتجة، ومنها العراق، إلا أن إغلاق مضيق هرمز واستهداف مرافق الإنتاج من قبل طهران وضعت البلاد في مفارقة معكوسة، بعد تعطل الصادرات النفطية عبر موانئ الجنوب، واعتماد العراق حاليًا على خط أنابيب كركوك–جيهان عبر تركيا لتصدير كميات محدودة من الخام.
وأعلنت الحكومة العراقية خفض إنتاج النفط في حقول البصرة من 3.3 ملايين برميل يوميًا إلى نحو 900 ألف، في ظل تداعيات التصعيد العسكري وما رافقه من اضطرابات في حركة التصدير عبر الخليج العربي، فيما يُوجَّه جزء من الإنتاج لتغطية الاستهلاك المحلي، كما أعلنت حالة "القوة القاهرة" بعد امتلاء جميع الخزانات النفطية العراقية.
وفي المقابل، تتصاعد الضغوط داخل الأسواق العراقية، مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية والخدمات، واضطراب سلاسل الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، إلى جانب أزمة الطاقة المتفاقمة عقب توقف إمدادات الغاز الإيراني، وما يرافقها من زيادة متوقعة في ساعات تقنين الكهرباء، الأمر الذي ينعكس مباشرة على كلف الإنتاج والتخزين والنقل.
وبين ارتفاع الأسعار عالميًا وعجز داخلي عن الاستفادة منها، يجد العراق نفسه أمام مشهد اقتصادي معقد، تتراجع فيه الإيرادات الفعلية، فيما تتصاعد الأعباء المعيشية، ما يضع الأمن الغذائي واستقرار الأسواق أمام تحديات متزايدة.
ارتفاع الأسعار
وارتفعت أسعار النفط أمس الثلاثاء بفضل مخاوف بشأن الإمدادات، بعدما نفت إيران إجراء محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في الخليج، وهو ما يتعارض مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي قال فيها إن التوصل إلى اتفاق قد يحدث قريباً. وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 2.89 دولار أو 2.9 بالمئة إلى 102.83 دولار للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 2.49 دولار أو 2.8 بالمئة إلى 90.62 دولاراً.
وكانت عقود الخام قد هبطت بأكثر من 10 بالمئة الاثنين بعدما قال ترامب إنه أمر بتأجيل الهجمات التي هدد بشنها على محطات الكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام، مضيفاً أن الولايات المتحدة أجرت محادثات مثمرة مع مسؤولين إيرانيين لم يذكر هوياتهم، ما أسفر عن "نقاط اتفاق رئيسية". وفي السياق، أكد عضو اتحاد الغرف التجارية في العراق قاسم يونس، أن الأسواق المحلية بدأت تشهد موجة ارتفاع واضحة في أسعار السلع، ولا سيما المستوردة، نتيجة اضطراب الواردات وتراجع تدفق بعض السلع، خصوصًا القادمة من إيران، مشيراً إلى أن نسب الزيادة في أسعار بعض المواد راوحت بين 15% و25% خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح يونس، لـ"العربي الجديد"، أن أي خلل في حركة التجارة عبر المنافذ الحدودية أو طرق النقل ينعكس مباشرة على الأسعار، لافتاً إلى أن السوق تواجه ضغوطاً تضخمية متصاعدة، مع تزايد حدة الصراع بالمنطقة وإغلاق الحدود مع إيران بسبب الحرب.
وأضاف أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بنقص السلع، بل أيضاً بحالة القلق في السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليل الكميات المعروضة أو رفع الأسعار تحسباً لأي تطورات إضافية، مبيناً أن التجار يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين البضائع وارتفاعات كلف الشحن. وأشار إلى أن التجار بدأوا بالتوجه إلى منافذ توريد بديلة، مثل تركيا ودول الخليج والأردن وسورية، إلا أن هذه البدائل لم تنجح في تعويض النقص بشكل كامل، بسبب ارتفاع كلف النقل والتأمين، إلى جانب التحديات اللوجستية والتأخير في المنافذ الحدودية، فضلًا عن ارتفاع أسعار السلع البديلة مقارنة بالسلع الإيرانية.
وأفاد بأن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الغذاء خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب بدائل محلية كافية، محذراً من أن ذلك سيزيد العبء على المواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود.
اختبار صعب
وقال عضو مجلس النواب العراقي سامي أوشانا، إن التطورات الأخيرة وضعت الاقتصاد العراقي أمام اختبار صعب، في ظل تزامن توقف الصادرات النفطية مع ارتفاع الأسعار عالمياً، مشيراً إلى أن إعلان وزارة النفط حالة "القوة القاهرة" يعكس حجم التعقيد الذي تواجهه البلاد في إدارة ملف الطاقة.
وأوضح أوشانا، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الاضطرابات في مضيق هرمز تسببت بتعذر تحميل الناقلات رغم جاهزية شركة سومو لاستئناف التصدير، ما أدى إلى امتلاء طاقات الخزن وتراجع القدرة على التصدير، مبيناً أن خفض الإنتاج العراقي وتوقف الصادرات النفطية يضعان المالية العامة للدولة العراقية تحت ضغط كبير.
وأضاف أوشانا أن ما يجري اليوم يكشف حجم الخلل البنيوي في إدارة ملف الطاقة في العراق، إذ لا يزال الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على مورد واحد دون وجود خطط بديلة حقيقية لمواجهة الأزمات، مؤكداً أن مجلس النواب العراقي يتابع إدارة هذه الأزمة ويعمل على تقييم كفاءة الاستجابة لها. ولفت إلى أن الضغوط لن تقتصر على الجانب المالي، بل ستمتد إلى الوضع المعيشي للمواطنين، مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يستدعي إجراءات حكومية سريعة لحماية الفئات الهشة وضبط الأسواق، مشدداً على أن استمرار الأزمة دون معالجات حقيقية قد يدفع البلاد نحو تداعيات اقتصادية واجتماعية أوسع.
صدمة مزدوجة
أوضح الباحث الاقتصادي علي الحياني، أن ما يواجهه العراق حالياً يمثل صدمة مزدوجة تجمع بين تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع كلف الاستيراد، في ظل تصاعد الأسعار عالمياً، ما يضع الاقتصاد أمام ضغوط غير مسبوقة.
وبيّن الحياني، لـ"العربي الجديد"، أن تعطل الصادرات النفطية بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط يحرم العراق الاستفادة من الطفرة السعرية، ويحوّلها إلى عبء غير مباشر عبر زيادة كلف الاستيراد، خصوصاً للغذاء والطاقة، لافتاً إلى أن الاقتصاد العراقي، بحكم طبيعته الريعية، تأثر بشكل حاد نتيجة اضطراب تدفقات النفط.
وأشار إلى أن الأثر لن يبقى في الإطار المالي فقط، بل سينعكس مباشرة على حياة المواطنين، من خلال ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع القدرة الشرائية، خصوصاً مع اضطراب أو توقف جزء من الاستيراد من إيران، التي تمثل أحد أبرز الشركاء التجاريين للعراق في السلع الغذائية. وأضاف أن أي خلل في تدفق هذه السلع سيؤدي إلى نقص نسبي في بعض المواد أو ارتفاع أسعارها، بالتزامن مع زيادة كلف النقل والتخزين نتيجة أزمة الكهرباء، ما يضاعف الضغط على السوق المحلية.
ولفت إلى أن انخفاض الإنتاج وتوجيهه للاستهلاك المحلي قلّص السيولة المالية للدولة، ما قد ينعكس على قدرتها على تمويل الإنفاق العام وصرف الرواتب، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأسواق نتيجة ضعف الإنتاج المحلي.
وأكد أن المعالجات يجب أن تتحرك على مستويين: الأول قصير الأمد عبر ضبط الأسواق وتأمين السلع الأساسية ومنع الاحتكار، والثاني استراتيجي يقوم على دعم الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد والطاقة، بما يقلل من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية. وأكدت وزارة النفط العراقية، الاثنين الماضي، استمرار عمليات الاستخراج والإنتاج النفطي وفق المعدلات المعتمدة ضمن خطة الطوارئ.
وذكر بيان للوزارة، نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، أن "وزارة النفط أعلنت استمرار معدلات الاستخراج التي اعتُمِدَت ضمن خطة الطوارئ التي أقرتها خلية الأزمة في الوزارة". وتابعت الوزارة، بحسب البيان، أن "معدلات إنتاج المشتقات النفطية والغاز السائل تلبي الاستهلاك المحلي، مطمئنة المواطنين إلى أن "عمليات التجهيز تسير بانسيابية عالية في منافذ التجهيز".
وأشارت الوزارة إلى أن "معدلات إنتاج البنزين من المصافي العراقية بلغت 32474 مترًا مكعبًا، فيما بلغت معدلات الاستهلاك 29079 مترًا مكعبًا، وبلغت معدلات الخزين المتوفر للتحميل 98478 مترًا مكعبًا، والخزين الحرج 200 ألف متر مكعب".

Related News
هبّات دونالد ترامب على ستارمر... دخان بلا نار
alaraby ALjadeed
18 minutes ago