Arab
مع دخول الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران ولبنان أسبوعها الرابع، تواصل القيادة الإسرائيلية تأكيد رغبتها في استمرار العمليات العسكرية وتحقيق أكبر قدر ممكن من أهداف الحرب. وعبّر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن ذلك في خطابه قبل أيام (19 مارس/آذار)، كما يكرّر هذا الموقف كلٌّ من وزير الأمن يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير بشكل شبه يومي. وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الاثنين الماضي، حول بدء مفاوضات مع إيران، وتأجيل المهلة المرتبطة بمضيق هرمز، وإمكانية إنهاء حرب إيران بعض القلق في إسرائيل تجاه هذا السيناريو. ترى إسرائيل أن وقف الحرب في هذا التوقيت، من دون تحقيق أهداف مركزية أو حسم عسكري واضح، قد يشكّل انتكاسة لما تعتبره إنجازات عسكرية واستراتيجية حققتها خلال العامين الأخيرين. فعدم القضاء على القدرات العسكرية لحزب الله، إلى جانب احتمال احتفاظ النظام الإيراني بقدرة على إعادة بناء قوته العسكرية والصاروخية، وربما النووية مستقبلاً، يعني بقاء خطر تجدّد جولات المواجهة العسكرية في السنوات المقبلة. إلا أنه، في مقابل هذه المخاوف من وقف الحرب، يمكن رصد اعتبارات عدة قد تدفع نحو التفكير في إنهائها حتى في ظل المعطيات الحالية، منها اعتبارات عدم تحويل حرب إيران إلى حرب استنزاف ترفع كلفة الأضرار البشرية والمادية وتزيد من الأعباء الاقتصادية. وفي المحصلة، قد يؤدي ذلك إلى ضغط متزايد على الاقتصاد الإسرائيلي وميزانية الحكومة.
عقبات أمام إطالة أمد حرب إيران
على الرغم مما تعتبره إسرائيل إنجازات عسكرية واستراتيجية في حرب إيران فإن مسار المعركة لا يسير وفق ما كان يطمح إليه بنيامين نتنياهو والمؤسسة العسكرية حتى الآن. فعلى الرغم من الضربات القاسية التي وُجّهت إلى إيران، لم تُحسم المعركة بعد ولم تنهر إيران. كما أن هدف إسقاط النظام الإيراني خلال الحرب بات غير واقعي، على الأقل في المدى القريب. ولا تزال إيران تواصل توجيه ضربات صاروخية إلى العمق الإسرائيلي، إلى جانب استمرار استهدافها لدول الخليج وقصف القواعد الأميركية في المنطقة، فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط. في المقابل، يواصل حزب الله إدارة المواجهة مع إسرائيل، مستمراً في إطلاق الصواريخ نحو البلدات الحدودية، من دون أن يُظهر مؤشرات على الانكسار كما كانت تتوقع إسرائيل.
هدف إسقاط النظام الإيراني خلال الحرب بات غير واقعي، على الأقل في المدى القريب
تبدو حاجة إسرائيل إلى تحقيق حسم أو انتصار واضح في حرب إيران ملحّة، إذ إن أي نتيجة دون ذلك، سواء في الجبهة الإيرانية أو في مواجهة حزب الله، تُعدّ، من منظور إسرائيلي، انتكاسة لما تعتبره إنجازات استراتيجية تحققت منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وتزداد هذه المخاوف إذا انتهت الحرب مع بقاء حزب الله لاعباً عسكرياً وسياسياً فاعلاً في لبنان، أو في حال التراجع عن تفاهمات وقف إطلاق النار لعام 2024، التي تُفسَّر إسرائيلياً على أنها تمنحها هامش حرية في العمل العسكري داخل لبنان بحجة منع إعادة بناء قدرات الحزب. كما أن عدم انهيار النظام الإيراني أو إضعافه بشكل كبير، واستمراره في الحفاظ على تماسكه، يعني احتمال بدء مسار لإعادة ترميم قدراته العسكرية والتعافي بعد انتهاء الحرب، بما يُفقد إسرائيل ما وصفته قبل اندلاعها بـ"الفرصة التاريخية" لتوجيه ضربة قاسية للنظام الإيراني. وقد يفتح ذلك الباب أيضاً أمام جولات جديدة من المواجهة في المستقبل.
إطالة أمد الحرب من دون ضمانات لتحقيق أهدافها السياسية
يحذّر عدد من المحللين الإسرائيليين من إطالة أمد الحرب على إيران وحزب الله، في ظل غياب ضمانات لتحقيق أهدافها السياسية. كما أن استمرار الضربات الصاروخية على العمق الإسرائيلي قد يؤدي إلى ظهور تصدعات في الرواية والإجماع الإسرائيليين حول الحرب، وإلى تراجع مستوى الدعم الشعبي الواسع لها داخل المجتمع الإسرائيلي.
في هذا السياق، كتب راز تسيمت؛ مدير برنامج دراسات إيران في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، في موقع واينت، يوم الأحد الماضي، أنه "في الوقت الذي يتعرّض فيه النظام الإيراني لضربات قاسية، فإنه يستغل الحرب كفرصة استراتيجية. لقد تضررت منظومة الصواريخ، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت قدرة إيران على إعادة التأهيل قد تضررت أيضاً. كما أن تسريع البرنامج النووي بعد انتهاء الهجمات يشكّل خطراً حقيقياً، في حين أن أزمة الطاقة تعرقل النظام العالمي. وعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة، تبرز الحاجة إلى نهج حذر في تقييم استمرار المعركة، التي قد تطول".
كما أوضح داني سيترينوفيتش؛ الباحث في برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي، في صحيفة هآرتس، يوم الاثنين الماضي، أن القوة الجوية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب التفوق الاستخباراتي، خلقت انطباعاً، خصوصاً على خلفية الاحتجاجات في إيران، بإمكانية إسقاط النظام "الضعيف" من خلال ضربات جوية وعمليات تهدف إلى زعزعته من الداخل. غير أن هذا الافتراض يستند إلى قراءة خاطئة للواقع، إذ يعكس مبالغة في تقدير القدرات العسكرية، مقابل التقليل من متانة النظام في طهران. وأضاف سيترينوفيتش أنه "في نهاية المطاف، قد لا تكمن المشكلة في إيران وحدها، بل أيضاً في الطريقة التي تختار بها إسرائيل فهمها. إن الاعتقاد بإمكانية تشكيل واقع سياسي معقّد من خلال التفوق التكنولوجي والاستخباراتي والقوة النارية الدقيقة ليس جديداً، إلا أنه كما فشل في قطاع غزة ولبنان مرشّح لأن يصطدم مراراً بواقع أكثر تعقيداً وصلابة". وتابع: "تتمثل المعضلة الراهنة في خيارين: إما توسيع الحرب من حيث نطاق الأهداف ومدتها، في محاولة جديدة لإسقاط النظام في إيران، أو السعي إلى إنهاء سريع للمعركة وترك نظام ضعيف ومشحون بالرغبة في الانتقام، على أمل أن يسقط لاحقاً. هكذا تكون النتائج عندما يُساء تقدير نيات العدو وقدراته".
رافيف دروكر: إطالة أمد الحرب ستمنح النظام الإيراني فرصة أكبر للتفاخر بإنجاز البقاء
أما رافيف دروكر؛ المحلل السياسي في القناة 13 الإسرائيلية، فقال في صحيفة هآرتس، أمس الثلاثاء، إنه "من الصعب فهم كيف يعمل الزمن لمصلحة إسرائيل. هل ما يتم تحقيقه عبر قصف إضافي أو عملية اغتيال أخرى يوازي حالة الشلل التي تعيشها الدولة؟ علاوة على ذلك، فإن إطالة أمد الحرب ستمنح النظام الإيراني فرصة أكبر للتفاخر بإنجاز البقاء. لقد صمدنا في وجه هجوم مطوّل من قوة عظمى وسلاح الجو الأفضل في العالم، وأُمطرنا بكل ما هو ممكن. فبماذا يمكن أن يهددونا بعد الآن؟".
ارتفاع التكلفة المالية والاقتصادية للحرب
مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، بات واضحاً أن تكلفتها المالية والاقتصادية ستكون أعلى من التقديرات الأولية. وأوضحت صحيفة كلكاليست الاقتصادية، يوم الأحد الماضي، أنه "في ظل استمرار الحرب على إيران وتصاعد الجبهة مع حزب الله في لبنان، يسود إجماع داخل المؤسسة الأمنية على أن هذه لن تكون الحرب الأخيرة، وأن زيادة ميزانية الأمن بنحو 32 مليار شيكل (نحو 10 مليارات و243 مليون دولار)، التي أُقرّت قبل نحو أسبوعين فقط، لن تكون الزيادة الأخيرة. وتقدّر المؤسسة الأمنية أنه لا مفر من زيادة كبيرة في الميزانية لتمويل المهام المتعددة للجيش الإسرائيلي على مختلف الجبهات، سواء تلك التي تشتعل وتتصاعد حالياً، أو تلك الكامنة تحت السطح".
وأظهرت الحسابات التي أجرتها شعبة الميزانيات والمالية في الجيش الإسرائيلي ووزارة الأمن وجود عجز لا يقل عن 33 مليار شيكل في ميزانية الوزارة حتى نهاية العام الحالي. ولا يشمل هذا المبلغ تكلفة تنفيذ عملية برية في لبنان، إذ تعتمد كلفتها على حجم القوات المشاركة ومدتها.
قبل خوض الجيش الإسرائيلي الحرب الحالية ضد إيران، قدّرت المؤسسة الأمنية تكلفة القتال لمدة شهر بنحو 40 مليار شيكل (نحو 12 ملياراً و804 ملايين دولار)، أي ما يعادل ضعف التكلفة العسكرية لما يُعرف بـ"حرب إيران الأولى" في يونيو/ حزيران 2025. وعلى أرض الواقع، تراوح تكلفة كل يوم قتال للجيش الإسرائيلي، وفقاً لتقديرات وزارة الأمن، بين 1.5 و1.7 مليار شيكل. وإذا كانت الزيادة في ميزانية الأمن قبل نحو أسبوعين قد رافقتها تفاهمات بشأن تقليص أفقي بنسبة 3.5% في ميزانيات الوزارات الحكومية، فمن المرجّح أنه، في ظل الوتيرة المكثفة للطلعات الجوية والاستهلاك المرتفع للذخائر، سيضطر الجمهور الإسرائيلي إلى التخلي عن مزيد من الخدمات العامة الأساسية.
أسبوع حاسم
على ما يبدو، تدخل الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران ولبنان أسبوعاً حاسماً، إذ ستُضطر إسرائيل إلى حسم موقفها بين الاستمرار في الحرب أو الشروع في إنهائها، في حال ذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى هذا الخيار. ولا تقتصر الاعتبارات المؤثرة في هذا القرار على الجوانب الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بل تتداخل أيضاً مع مصالح بنيامين نتنياهو السياسية وقناعاته الأيديولوجية، في ظل ارتباط مباشر بين مآلات الحرب ومستقبله السياسي والانتخابي.
تدخل إسرائيل أسبوع حسم سياسي، مع اقتراب الموعد النهائي لإقرار الميزانية في الكنيست قبل نهاية الشهر الحالي
وفي موازاة ذلك، تدخل إسرائيل أسبوع حسم سياسي أيضاً، مع اقتراب الموعد النهائي لإقرار الميزانية الحكومية في الكنيست قبل نهاية شهر مارس الحالي. فعدم تمرير الميزانية يعني عملياً حلّ الكنيست والتوجّه إلى انتخابات مبكرة. من جهة، قد تسهّل حالة الحرب على نتنياهو تمرير الميزانية، في ظل تراجع الأحزاب الحريدية عن تهديدها بعدم دعمها من دون إقرار قانون الإعفاء من الخدمة، وذلك نتيجة اصطفافها السياسي خلف الحرب وحصولها على مخصصات مالية كبيرة ضمن مشروع الميزانية. لكن من جهة أخرى، فإن تزايد الكلفة الاقتصادية للحرب، والحاجة إلى تقليص الإنفاق المدني وتوجيه الموارد نحو ميزانية الأمن، قد يفرضان تحديات إضافية أمام تمرير الميزانية. وعليه، يمكن تقدير أن إسرائيل قد تتجه خلال هذا الأسبوع إلى تصعيد عملياتها العسكرية في إيران ولبنان، في محاولة لتحقيق أكبر قدر ممكن من أهدافها قبل أي وقف محتمل لإطلاق النار. كما يُرجَّح أن يستثمر الائتلاف الحكومي هذا التصعيد الأمني لتسهيل تمرير الميزانية والحفاظ على تماسكه.

Related News
«تفاوضوا بنية حسنة».. رسالة فرنسية إلى إيران
al-ain
50 minutes ago