Arab
خلال مارس/ آذار الحالي، لخّص الرئيس الأميركي دونالد ترامب رؤيته للبريطانيين ورئيس حكومتهم كير ستارمر في أربعة تصريحات: "هذا (ستارمر) ليس ونستون تشرشل الذي نتعامل معه"، و"غير متعاونين للغاية (المؤسسات البريطانية)"، و"لم تعد (بريطانيا) كما كانت"، و"يعتمد (ستارمر) بشكل مفرط على المستشارين". وذهب دونالد ترامب إلى حد السخرية من ستارمر عبر استخدام حسابه على منصة "تروث سوشال" لنشر فيديو من مشهد كوميدي يظهر ستارمر خائفاً من التواصل مع ترامب.
وفّرت تصريحات ترامب مادة ثرية لبريطانيين يرون أن بلدهم، تحت حكم ستارمر، بلد "أسود يقودهم حمير"، كما تردد كتب التاريخ العسكري البريطاني الحديث. وعبارة "أسود تقودهم حمير" وصف يُنسب تاريخياً للإشارة إلى شجاعة الجنود مقابل سوء إدارة وقيادة الضباط والقادة العسكريين.
استدعاء دونالد ترامب اسم تشرشل
لم يكن استدعاء دونالد ترامب اسم تشرشل مفاجئاً. فدائماً ما يشير الساسة الأميركيون والبريطانيون إلى هذا الزعيم التاريخي الذي صك تعبير "العلاقة الخاصة" لوصف الروابط بين بلاده وأميركا. واستند، في نحته هذا التعبير، إلى العلاقات القوية في مجالات الدفاع والأمن والتجارة بين البلدين، خاصة منذ الحرب العالمية الثانية، لينشأ "تحالف وثيق ودائم" بينهما.
لم يكن مفاجئاً أيضاً أن تكون إيران محل الخلاف الظاهر الآن بين الحليفين. فقبل أربعين عاماً، نشأ خلاف بين لندن وواشنطن بشأن إيران. وتكشف وثائق بريطانية أنه في مارس 1986 استولى الجيش الإيراني على جزيرة الفاو العراقية. وأصر الأميركيون، وقتها، على توجيه ضربات عسكرية قوية لمؤسسات حيوية داخل إيران لمنع انتصارها في الحرب مع العراق. رفضت وزارتا الدفاع والخارجية البريطانيتان، وقتها، المشاركة في الخطة الأميركية.
وحذرت الحكومة البريطانية بقيادة الزعيمة المحافظة القوية مارغريت تاتشر الأميركيين من أنهم مقبلون على مغامرة لن تشارك فيها بريطانيا. وساق وزراؤها، في الاجتماعات مع الأميركيين على مختلف المستويات، أسباباً منها، أولاً أن إيران تتمتع بأهمية وإمكانات كبيرة، والسياسة الأفضل هي اتباع نهج هادئ لا يجذب الأضواء ومحايد تجاه إيران والعراق، وهذا يسمح لنا بالحصول على أقصى ميزة تجارية في المنطقة كلها. وثانياً: تصورنا هو أن إيران دولة كبيرة لها مكانة استراتيجية سيكون من المهم على المدى البعيد أن يكون للغرب علاقات جيدة معها، ولا يمكن خسارتها. اقتنعت الإدارة الأميركية الجمهورية بقيادة رونالد ريغان، ووضعت الخطة في أدراجها. ولم يطلق الأميركيون رصاصة داخل إيران.
تباين بشأن إيران
لم يرد ستارمر أن يبدو وكأنه مستعد لتكرار مآسي مشاركة بلاده في المغامرات العسكرية الأميركية
إلا أن التباين الظاهر بين الولايات المتحدة وبريطانيا في مارس 2026 بشأن إيران مختلف. فلأسباب انتخابية وسياسية داخلية، لم يرد ستارمر أن يبدو أمام البريطانيين، وهو مقبل على انتخابات محلية حاسمة في مايو/أيار المقبل، وكأنه مستعد لتكرار مآسي مشاركة بلاده في المغامرات العسكرية الأميركية، خاصة في الحرب غير المشروعة على العراق وغزوه في 2003. فامتنع، وهو رجل قانون، عن وصف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بأنها شرعية ومبررة. في الوقت نفسه، لا يريد أن يبتعد عن فلك أميركا، فأيد دونالد ترامب في التبريرات السياسية للحرب بشأن البرنامج النووي، وحقوق الإنسان، وتهديدات إيران المزعومة للأمن في بريطانيا.
وكحل وسط، نصح المستشارون البريطانيون، الذين ينتقد دونالد ترامب اعتماد ستارمر عليهم، بأن يقدم دعماً عسكرياً تدريجياً متصاعداً ومحسوباً للرئيس الأميركي، تمثل في مواصلة الدعم الاستخباراتي، وإتاحة القواعد العسكرية، في بريطانيا والمنطقة، للمقاتلات الأميركية لشن عمليات واسعة داخل إيران لتدمير قدراتها الصاروخية، وإرسال سفن حربية وإمدادات إلى المنطقة للضغط على إيران. واستناداً إلى هذا، لا يصدق البريطانيون "استعراض" الخلافات، التي يتعمد مستشارو ستارمر الاستراتيجيون تضخيمها لإعطاء انطباع زائف بأنه على خلاف مع دونالد ترامب ولا يسلم له بكل ما يريد. فرغم كل ما قاله، ويقوله، الرئيس الأميركي، عن بريطانيا ورئيس حكومتها، لا شيء تغير في العلاقات بين واشنطن ولندن.
وثبت أنه مهما تكن "الاختلافات" الثنائية فإنها تظل بين حليفين، فلا غنى لبريطانيا واقتصادها عن الولايات المتحدة. وتقول تقارير مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني إن السوق الأميركية هي أكبر سوق لصادرات بريطانيا في العالم، إذ تبلغ قيمتها 202 مليار جنيه استرليني (269 مليار دولار أميركي)، تشكل نسبة 22.5% من إجمالي صادرات بريطانيا إلى العالم. وبسبب سياسات دونالد ترامب الجمركية، انخفضت تلك الصادرات بمقدار نصف مليار جنيه إسترليني (نحو 671 مليون دولار أميركي)، وفق تقديرات يناير/كانون الثاني الماضي. وزاد الضغط الاقتصادي على بريطانيا وحاجتها إلى السوق الأميركية خلال 2024، بعد أن تراجع حجم التجارة مع أسواق الاتحاد الأوروبي بنسبة 18% في 2024 مقارنة بعام 2019 (بعد خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي في 2020)، وهذا ما يفسر ردات الفعل البريطانية الباردة على قرارات دونالد ترامب بشأن زيادة التعريفات الجمركية.
تتعامل بريطانيا مع أميركا على أنها حجر زاوية في ضمان مستقبلها ودورها السياسي في العالم
استراتيجياً، تتعامل بريطانيا، على كل المستويات، مع الولايات المتحدة على أنها حجر زاوية في ضمان مستقبلها ودورها السياسي في العالم، خاصة بعد أن خسر البريطانيون نفوذهم السياسي في أوروبا بعد الطلاق مع الاتحاد. فكل تقارير مجلس العموم (البرلمان) تصف التحالف مع واشنطن بأنه ركيزة أساسية للأمن البريطاني. واستندت تلك التقارير إلى أن لندن تعتمد على التعاون مع واشنطن في مجال التكنولوجيا النووية وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وخلص تقرير صادر في 2023 عن لجنة الدفاع في مجلس العموم إلى أن "المملكة المتحدة تستفيد من العلاقة البريطانية الأميركية من خلال إمكانية الوصول إلى الفكر العسكري الأميركي والمعدات والأبحاث، فضلاً عن فرصة التدريب والانتشار جنباً إلى جنب مع نظرائها الأميركيين. وتعزز هذه العلاقة أمن المملكة المتحدة".
يبقى أنه رغم الأخذ والرد بين دونالد ترامب والبريطانيين، والذي بقي في إطار الساحة الإعلامية المعروف أن الرئيس الأميركي يحرص على ألا يغادرها يوماً واحداً، فإن ستارمر يظل مخلصاً لم يؤمن به بشأن استراتيجيته للتعامل مع الولايات المتحدة. ومرجع رئيس الوزراء السياسي هو برنامج حزب العمال خلال انتخابات 2024، وفيه قال بوضوح إن الولايات المتحدة "حليف لا غنى عنه"، وإن "العلاقة الخاصة" بين البلدين "حاسمة للأمن والازدهار" وستتجاوز "أي أحزاب سياسية أو أفراد في السلطة". وتعهد بمواصلة التعاون مع الولايات المتحدة في المسائل الاقتصادية والدفاعية والاستخباراتية. وهذا ما يفعله الآن رغم كل الدخان، الذي يتصاعد من حين لآخر في سماء العلاقات بين الحليفين المقربين، بسبب هدير أسلحة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وليس هناك ما يبرهن على أن هناك ناراً تحت دخان السجال بين الحليفين على ضفتي الأطلسي.

Related News
«تفاوضوا بنية حسنة».. رسالة فرنسية إلى إيران
al-ain
56 minutes ago