Arab
عاشت أجيالٌ من أجدادنا ثم آبائنا، ثم عشنا نحن، محطّات من الانكسارات، راوحت بين استعمار بلداننا وحروب خاطفة أو متوسّطة المدى، تكبّدت فيها جيوش عربية خسارات أطلقت عليها مسمّيات هلامية تتجنّب وصف الحقيقة كما هي، كمسمّى "النكسة" مثلاً، ولم يغير هذا في جوهر الإحساس بتفوّق "العدو" المطلق تقريباً والعجز عن مجاراته ومنازلته بأدوات القوة نفسها التي امتلكها، ولا يفتأ يطوّرها، ويوسّع بها الهوة بين المنتصر والمهزوم... وبدأنا نتلقى بشكل تصاعدي ومكثف خطاباً عربياً داخلياً يدعو إلى الانطلاق في طلب المعرفة والعلم والأخذ بناصية التكنولوجيا والتعويل على العقل، ولا شيء غيره، وترك ما دون ذلك كله من أسباب "التخلف العربي والإسلامي" ومسبباته، حسب مقولات أصحاب الخطاب، وروح الهزيمة التي تلبست دول هذا الفضاء الجغرافي والروحي وشعوبه... وفي ثنايا الخطاب الذي يبلغ درجة التطرّف أحياناً، ما يشير ضمناً إلى أن موروثنا الثقافي والديني، بتلويناته المختلفة، هو العلة ومكمن الفشل المكرّر والعقبة الكأداء أمام أي فرصة للتقدّم والذهاب الى المستقبل، لأنها كبلت الأجيال المتعاقبة وسجنتها في ماضٍ يقال إنه "مجيد"، وأوجدت تفسيرات مضلّلة لحاضرها توحي لها بالتفوق الأخلاقي الذي يهيئها لتتبوأ موقع الريادة في مرحلة آتية، ثم إعلان النصر النهائي، فيما هي في الواقع تنزاح شيئاً فشيئاً إلى هامش التاريخ، وتتحوّل الى عبء على البشرية وعلى عالمٍ يتحرّك بسرعة مذهلة تعجز عن مجاراتها.
انتقلت ثقافة مصطلحات الحرب ومسمّيات الأسلحة المستخدمة فيها إلى الملايين في العالم، خوفاً وانبهاراً بتكنولوجيا الحرب وتكنولوجيا أخرى
وحدث التغيير فعلاً في اللاوعي الجمعي، مترافقاً لدى فئات واسعة برفض دفين للشقّ الروحي/ الديني من ذلك الخطاب الممنهج، وترجم التغيير من خلال التعليم خصوصاً، فأصبح تفوّق الأبناء في المواد العلمية واختيارهم تخصّصات غير أدبية في المرحلة الجامعية وما بعدها، سبباً لاحتفاء الآباء وفخرهم، بل يعمد بعضهم إلى إجبار أبنائه على التوجّه إلى الشّعب العلمية، حتى وإن كان مزاجه في مكان آخر، فقط من أجل التباهي والاطمئنان إلى أن مستقبل الوظيفة في تلك التخصّصات مضمون بنسبة مرتفعة، ومعه يضمن المنزلتين، العلمية والعملية، ومستوى الحياة التي سيعيشونها... وفي مرحلة متقدّمة أخرى، برزت ظاهرة تسجيل الأبناء في جامعات غربية، حيث تُستقى العلوم من مصادرها، أو هكذا يتهيأ لكثيرين يؤمنون بأهمية الاستثمار في طلب العلم... "و لو في الصين"، وفي أميركا وبريطانيا وكندا وألمانيا وغيرها من الوجهات الأكثر ثقة وجذباً... وفي زمن التواصل الاجتماعي والعالم الموازي الافتراضي، تتوالى الشواهد على أن العقليات العربية في عمومها تشهد تحوّلاً لا يمكن أن تخطئه العين، ولا يغفل عنه الإدراك السليم... إذ لم يعد الاحتفاء بمناسبة أو إنجاز شخصي أو جمعي مما هو معهود ومتداول، أمراً باعثاً على الفخر، بقدر ما يثيره إنجاز علمي أو "فتح" معرفي أو اختراق تكنولوجي عربي من إحساس بالاعتزاز والنخوة والفضول... في ظاهرةٍ لا تزال محدودة نسبياً أمام طوفان التفاهة المراد تعميمها... ولكنها إشارة بالغة الأهمية إلى عقدة بدأت بالتفكك.
لا يزال معظم الشباب العربي من ذوي التخصّصات العلمية يبرع ويتألق ويبرز اسمه في مختبرات الغرب وفضاءات الابتكار التكنولوجي فيه، مع بعض استثناءات في عدة دول عربية تحاول توطين العلوم في أرضها وبعقول أبنائها وأياديهم، ولكنْ هناك شيء بدأ يتحرّك وينافس ويثير قلق من يعتقدون بأهمية احتكار مجال حيوي وخطير.
تتوالى الشواهد على أن العقليات العربية في عمومها تشهد تحوّلاً لا يمكن أن تخطئه العين، ولا يغفل عنه الإدراك السليم
حيثما وجهت هذه الأجيال بصرها وتركيزها الذهني، يطالعها عنوان "عصر التكنولوجيا... من فرشاة أسنانك صباحاً إلى القطار فائق السرعة الذي يوصلك إلى مقصدك في دقائق، مروراً بماكينات الأكل والشرب والروبوت الذي سيتكفل هو بحلق شعرك قريباً. وهاتفك الذي يحتوي على أزرار وشيفرات حياتك"... وطاول هذا الهوس الذي لا يقاوم قطاعاتٍ من الأجيال الأكبر سناً، بعدما فهمت أن الإلمام بتكنولوجيا العصر، وإن كان محدوداً، هو أداة التواصل الأهم مع الأبناء أولاً ومع العالم المحيط بها ثانياً. التكنولوجيا هي كلمة السر اليوم بعدما تحوّل جزء مهم من النشاط الانساني اليومي المعتاد عقوداً طويلةً إلى منظومة من حركات الكبس على الأزرار في العمل والبيت والفضاء العام. في نقلة نوعية بقدر ما يسّرت الأعباء والمسؤوليات، جعلت حياة الناس هشّة، قد تُمحى فصول وأصول منها بضغطة زر خاطئة أو متعمّدة. تلك الجدران الحصينة التي بنيت بالحجارة الصلبة القاسية، وبجهدين، جسدي ونفسي جهيدين، حيث كل شيءٍ محسوسٌ وملموس، تداعت من دون ضجيج أو غبار لتحلّ محلّها سواتر شفّافة لا تكاد تخفي أو تستر شيئاً من حياة الناس في عصر التكنولوجيا المتحكّمة... التي على غرار كل جديد وكل ظاهرة لها وجهان: اللطيف والآخر المخيف. وإذ صفّقت الغالبية واستبشرت بكل ما قدّمته لها التكنولوجيا من وسائل الراحة وتبسيط متطلبات الحياة اليومية والسفر وغيرها، فقد شعرت بالفزع وعدم اليقين أمام ما كشفته الحروب الجديدة، الحرب على غزّة، ثم حرب الاغتيالات في لبنان وإيران، حيث أحدثت التكنولوجيا أقصى درجات التدمير وأطاحت رؤوساً مطلوبة بشدة بدقة متناهية، وأصابت آخرين إصابات بالغة، وأحدثت فيهم عاهات عبر أجهزةٍ كانت بين أيديهم أو في جيوبهم وسياراتهم وفي بيوتهم، وهم بين عائلاتهم وأحبتهم... ولم يدر في خلدهم من قبل أن هذه الأجهزة اللصيقة بهم، المأمونة والصديقة قد تتحوّل في ثوانٍ معدودات إلى قاتل متسلسل مبرمج ضدّهم. وقد يصح اليوم القول إن تاريخاً جديداً تماماً دوّنت بدايته هذه التكنولوجيا بالذات، وأسست معه لعقيدة جديدة شعارها: من لم يمتلك العلم والتكنولوجيا سيتلاشى! وإذا لم يمتلكها، فالأفضل له أن لا يقحم نفسه في صراعاتٍ خاسرةٍ مسبقاً.
لم تعلُ الأصوات الداعية إلى السير في طريق العلم والتكنولوجيا من داخل المجتمعات العربية والإسلامية فحسب، بل حتى من الدوائر الغربية والشرق آسيوية التي سبقت إليها وروّضتها، وجعلت منها منهج حياة اليوم ومستقبلاً في حركة تطوير دؤوبة... وغاب في منعرجات هذا السباق الاحتفاء أو حتى مجرّد التحفيز على الآداب والعلوم الإنسانية التي هي وقود حركة المجتمعات وتطوّرها الإنساني وعافيتها أو سقمها، فيما يوحي لأصحاب الخيال الخصب بعمل منظّم ومنسجم (وإنْ بدا تلقائياً) يعد الجنس البشري لحقبة الإنسان الآلي، أو حتى الكائنات الفضائية التي بات الحديث عنها على لسان شخصياتٍ مرموقة لا يبعث على الشعور بالحرج أو الخجل.
تتسارع الأحداث، ويتبيّن أن الاختبار الأول لقوة العقيدة الأحدث حرب تدور رحاها اليوم في جغرافيا منطقة الشرق الأوسط والخليج. أما الفاعلون فيها، فمن القارّات الخمس تقريباً بأشكال وأساليب شتى، منها المعلن ومنها نصف المعلن وربعه، ومنها المتخفي. حرب يستعرض فيها المتحاربون أحدث ما أنتجته آلاتهم العسكرية وتكنولوجياتهم من أسلحة تقيّم فاعليّتها من خلال التكلفة والحجم والسرعة والقدرة على إحداث أكبر قدرٍ من الدمار الممكن، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي توفر الاحداثيات والمواقع بدقة لم يشهد تاريخ الحروب والصراعات مثيلاً لها. ويُفاخر المتقاتلون علانية بقدراتهم، وبما يخبّئونه من "مفاجآت" قادمة في الطريق، فيما يعرض حلفاء خبرتهم وبراعتهم في مجالات محدّدة كالمسيّرات مثلاً، لدعم حليفهم وتغيير كفة الصراع لصالحه.
لا يزال معظم الشباب العربي من ذوي التخصّصات العلمية يبرع ويتألق ويبرز اسمه في مختبرات الغرب وفضاءات الابتكار التكنولوجي فيه
انتقلت ثقافة مصطلحات الحرب ومسمّيات الأسلحة المستخدمة فيها إلى الملايين في العالم، خوفاً وانبهاراً بتكنولوجيا الحرب وتكنولوجيا أخرى تحافظ على سير شبه طبيعي لحياة الناس زمن الحروب. ولأنه زمنٌ غريب الأطوار والإيقاع، بدا وكأنه جرى تبادل المواقع والأدوار، وبرزت تناقضاتٌ مُربكة: ففيما أخذ عامّة الناس وصفوتهم بسحر التكنولوجيا والعلوم التي أتاحتها، فإن أنتجوا التكنولوجيا وزرعوا مركب النقص لدى المجتمعات التي لم تركب قطار العلوم مبكّراً، رافقوا استعراض ابتكاراتهم بخطابٍ يروّج نبوءات ورواياتٍ ينسبونها إلى هذا الدين أو ذاك ومقولاتٍ من كتب صفراء توحي بأن هذه الحرب انتظرتها البشرية طويلاً من أجل لحظة "الخلاص" التي لن تأتي من دون إراقة الدماء وإحداث الدمار في أماكن ومديات محدّدة... بمعنى أن عامة الناس التي استدعيت لاعتناق العلم منقذاً وحيداً لها، استجابت، ولو على مستوى الخطاب والوعي، فيما يغرق رموز العالم فائق الحداثة والعصرنة في غياهب الأساطير والغيبيات والتبشير بالهيمنة النهائية التي تنتهي معها عذابات أقوام بعينها. في ما يبدو محاولة لإضفاء مشروعية إلهية لأفعال القتل والتدمير من هذا الجانب أو ذاك... والأدهى أن عموم الناس باتت تتلقّى هذا الخطاب باستهجان وغضب مما يعتبرونه استبلاهاً ولعباً بعواطفهم ومشاعرهم التي استنزفت بما يكفي.
قد تكون هذه الحرب أكثر الحروب استعصاءً على التكهن بمآلاتها، وهذه مفارقة أخرى تُضاف الى ما سبق، فما لا يقدّمه المتحاربون من إجابات عن هذه المآلات، عدا التهديد والوعيد بالتنكيل بالعدو، يتكفل به العرّافون والمنجّمون الذين ملأوا ساحات الفضاء الافتراضي، وباتوا يزاحمون المحللين السياسيين والخبراء العسكريين بتقديم نبوءاتٍ لا تتطلب عناء التفكير والتمحيص... بل أصبح "النجوم" منهم بمثابة مرجعيات، وبتنا نسمع "قالت فلانة وصدقت" أو "قال فلان وها نحن ننتظر". وبينما تطلق الصواريخ بعد تعميدها ببركات أسماء شخصياتٍ من التاريخ وأماكن شهدت غزوات ومعارك وانتصارات، يتجمع فريق البيت الأبيض حول الرئيس لأداء طقوسٍ تمنحه الطاقة والبركة والوعد بالانتصار، فيما يتفقّد رجال من "كابينيت" نتنياهو حظيرة حيواناتٍ يجهّزونها لتكون قرباناً في المسجد الأقصى قريباً كما يدّعون... ويتفرّج العالم على هذا كله غير مصدّقٍ كيف يقود هؤلاء دولهم وشعوبهم ويذهبون بمصير العالم إلى حافة المجهول... بعدما كانت القاعدة تفرض أن الأعقل والأكثر حكمة وحصافة هو من يحكم ويدل على الطريق الأسلم والأقل وعورة.
وسط هذا المشهد المشوش والمخيف، توجد نقطة ضوء. اكتمال الوعي في المنطقة العربية، تحت وطأة التجارب الموجعة والضربات المتلاحقة، بأن الخلاص هو فعلاً في العلم والمعرفة، مع رسوخ في هويةٍ تتعرّض منذ أمد لمحاولات الاستلاب والتشويه، وحتى الاقتلاع. اتّعاظاً بما أثبتته هذه الأحداث الجلل، حيث يتمسّك المتحاربون الذين عصفوا باستقرار المنطقة بالأرض (وإن لم تكن أرضهم) وبالتاريخ والرموز والهوية الجمعية، فيما يعكفون ليلاً ونهاراً على اكتساب كل أسباب القوة التي لا مدخل آخر لها اليوم غير العلم وبالبنط العريض.

Related News
هبّات دونالد ترامب على ستارمر... دخان بلا نار
alaraby ALjadeed
14 minutes ago
الحرب تهدد سوق السيارات في اليمن
alaraby ALjadeed
45 minutes ago