عربي
يجتمع محبو داليدا اليوم الأحد، في الذكرى التاسعة والثلاثين لرحيلها، لوضع زهور على قبرها في مقبرة مونمارتر في العاصمة الفرنسية باريس. لكن اسمها لا يُستعاد بوصفه مجرد ذكرى، بل حضور متجدد في المعارض والفضاءات الثقافية.
وُلدت يولاندا كريستينا جيجيليوتي في 17 يناير/كانون الثاني 1933 في حي شبرا في القاهرة، لعائلة مهاجرة من جنوب إيطاليا، ونشأت في بيئة محافظة شكّلت بداياتها الأولى. بعد وفاة والدها، عملت لمساندة عائلتها، قبل أن تتمكن من شق طريقها نحو الأضواء عبر مشاركتها في مسابقة ملكة جمال مصر وفوزها بها في مطلع الخمسينيات. فتحت هذه الخطوة لها باب السينما بأدوار صغيرة، ثم دفعتها إلى مغادرة مصر عام 1954 نحو باريس، حيث أعادت تشكيل هويتها الفنية، واختارت اسم داليدا.
في فرنسا، تعثّر مشروعها التمثيلي في البداية، لكنها سرعان ما وجدت طريقها إلى الغناء، لتبدأ مسيرة صاعدة توّجها نجاح أغنية "بامبينو"، قبل أن تتحول إلى واحدة من أبرز نجمات أوروبا، مقدّمة مئات الأغاني بعدة لغات، ومؤسسة لأسلوب فني يقوم على المزج بين الإيقاعات الشرقية والغربية، وهو ما جعلها أقرب إلى جسر ثقافي بين ضفتي المتوسط.
ورغم أن حضورها في الغناء العربي اقتصر على عدد محدود من الأعمال، كان تأثيره لافتاً. فقد شكّلت أغنيتا "سالمة يا سلامة" و"حلوة يا بلدي" نقطة تماس عاطفية مع الجمهور العربي، وأسهمتا في ترسيخ حضورها في الذاكرة الجماعية، خصوصاً مع إعادة أداء هذه الأغاني من قبل عشرات الفنانين لاحقاً. كما عزّز المخرج يوسف شاهين هذا الحضور سينمائياً عندما منحها دور البطولة في فيلم "اليوم السادس" عام 1986، حيث قدّمت شخصية امرأة تصارع المرض والفقد في زمن الكوليرا، في أداء كشف عن عمق تمثيلي مغاير لصورتها الغنائية.
وعلى الرغم من رحيل داليدا عام 1987، لا تزال حاضرة بأشكال عدة، ولا سيما من خلال المعارض الفنية التي تعيد تقديمها. ففي متحف سرسق في بيروت نهاية العام الماضي، برز اسمها ضمن معرض "ديفا: من أم كلثوم إلى فيروز إلى داليدا – أيقونات الفن العربي" الذي نظمه معهد العالم العربي في باريس، بعد جولات في عواصم عدة. لم يكتف المعرض باستعادة مسيرتها، بل وضعها في سياق أوسع إلى جانب أسماء مثل أم كلثوم، وفيروز، ووردة، وأسمهان، بوصفهن فنانات لعبن دوراً محورياً في صياغة الذائقة الفنية، وفرض حضور نسوي مؤثر في مجتمعات تقليدية. في جناح باسمها، عرضت مقتنيات أصلية من أرشيفها الخاص، إلى جانب صور ووثائق وأزياء ومواد بصرية تعكس مسيرتها المتعددة، وتسلّط الضوء على قدرتها على التنقل بين لغات وثقافات مختلفة.
ويُقدَّم هذا الحضور بوصفه نموذجاً لظاهرة "الديفا"، حيث لا تُختزل الفنانة في صوتها فقط، بل تُقرأ باعتبارها شخصية عامة تحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية، وتساهم في إعادة تعريف موقع المرأة في الفضاء العام. كما أضاء المعرض على البعد العابر للحدود في تجربة داليدا، إذ تُستعاد كونها فنانة نجحت في الجمع بين الشرق والغرب، ليس عبر اللغة فقط، بل عبر الحس الموسيقي والأداء، ما جعلها تحظى بجمهور متنوع يمتد من العالم العربي إلى أوروبا.
ولا ينفصل هذا الاستحضار عن سيرتها الشخصية التي اتسمت بتقلبات حادة. فقد عاشت داليدا سلسلة من الصدمات العاطفية، أبرزها انتحار عدد من الرجال الذين ارتبطت بهم، وهو ما ترك أثراً عميقاً في حياتها النفسية. ومع تراكم هذه التجارب، أنهت حياتها في 3 مايو/أيار 1987 بجرعة زائدة من المهدئات، وتركت حينها رسالة قصيرة قالت فيها: "الحياة لم تعد تُحتمل، سامحوني".
بين هذه النهاية المأساوية، والحضور المتجدد في أوروبا والعالم العربي، تبدو داليدا اليوم أكثر من مجرد نجمة غنائية. إنها جزء من سردية أوسع عن تاريخ الفن العربي وعلاقته بالعالم، وعن دور المرأة في إعادة تشكيل هذا التاريخ، وعن قدرة الصوت على تجاوز الزمن، ليبقى حاضراً في كل محاولة لإعادة قراءة الذاكرة الفنية للمنطقة.

أخبار ذات صلة.
حرية الصحافة في سورية
العربي الجديد
منذ ساعة