"إحساس الماء"... المنفى واللغة عند محمد رسولوف
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أبرز ما يلفت الانتباه في جديد الإيراني محمد رسولوف "إحساس الماء" مدّته التي تبلغ 39 دقيقة فقط. مردّ هذا إلى أن أغلب الأفلام الروائية لم تعد مدّتها تقلّ عن 90 دقيقة، بل تتجاوز 120. وهذا، بعد أن كانت المدة المعتادة عقوداً طويلة، 90 دقيقة، أو أكثر قليلاً. وهو ما دفع إدارات فنية لمهرجانات دولية إلى إصدار تعليقات في هذا الشأن أخيراً، وإن اكتفت بانتقاد صعوبة برمجة أفلام طويلة. بعيداً عن مناقشة أسباب عدّة لهذه الظاهرة، المؤكّد أن لا مُبرّر لطول مدّة أغلبها، ولا معنى. أحياناً، يبلغ هذا افتعالاً وإرهاقاً وإضراراً بالفيلم نفسه، مقابل أفلام طويلة مقبولة ومبرّرة، وغير مزعجة. فنياً وشكلياً، وشخصياً وفلسفياً، تُثير مدّة "إحساس الماء" نقاشاً لا ينتهي، بخصوص حرية المبدع في التعبير، تكثيفاً أو إطالة وحدوداً ومعايير فاصلة بين هذا وذاك، وفقاً لمقاييس التصنيف السينمائي نفسه، الذي يرتبك عادة في تصنيف حاسم بخصوص طول مدّة فيلم، ليس بالقصير المعتاد، ولا بالطويل المعروف. هذا ينطبق جزئياً على "إحساس الماء"، الذي يقود إلى إبداع رسولوف، الذي لا تقل أفلامه الروائية عادة عن 90 دقيقة. مدّة آخر فيلمين له 150 دقيقة لكلّ منهما، أو أكثر. وباعتبار جديده هذا فيلماً قصيراً، فنياً وزمنياً ومقارنة بأفلامه الأخيرة، يمكن التساؤل ـ انطلاقاً من طبيعة ما أثاره من موضوعات وأفكار وثيمات معهودة في أفلام طويلة سابقة له ـ عن سؤال التكثيف، ولا سيما أنه يعود، بجديده هذا، إلى طرح الأفكار الأساسية نفسها وبلورتها وصياغتها في سينماه، لكن بتكثيف شديد. حاول محمد رسولوف، في منفاه الاختياري في برلين، الخروج عن المعهود في سينماه. بدءاً من مساحة الحرية الأكبر، المتمتّع بها الآن، مقابل طبيعة سينما وقوانين وقيود عمل مُكبّلة في إيران. إذاً، يجمع الفيلم الشخصي بالرمزي، في تجربة تعكس أزمة المنفى واللغة والهوية، والحضور الطاغي للحنين إلى الوطن، بالتركيز أساساً على العلاقة العضوية مع اللغة الأم. علي (علي نوراني) كاتب إيراني خرج من السجن، وهرب إلى ألمانيا. يعيش عجزاً داخلياً في التعبير بلغته الأصلية في المنفى، ويُجبر على تعلّم لغة يجدها تفتقر إلى الدفء العاطفي والإحساس. لذا، يتّخذ الفيلم شكل رحلة نفسية داخلية، تحاول عبر قصة حب مع نازانيان (بهنوش نجيبي)، مسؤولة دار نشر إيرانية ألمانية، تجسيد تجربة الانفصال عن الذات عبر اللغة، ومواجهة هذا بمحاولة إعادة إنتاج المعنى بلغة جديدة، ما يجعل اللغة ساحة اغتراب، لا مجرد وسيلة للتواصل. رغم كون المنفى حالة فقدان مضاعف ومُركّب، جغرافياً ولغوياً وعاطفياً، يُركّز رسولوف على اللغة أكثر، ليعكس مدى هشاشة شخصية المُهاجر، المحمّلة أصلاً بتركة ثقيلة من القمع والاضطهاد وتكبيل الحرية. تصبح تجربة الانتقال إلى ممارسة لغة أخرى أشبه بإعادة بناء الذات من الصفر. في هذا الإطار، يمكن ترجمة عنوان الفيلم إلى معنى الإحساس بالمياه، ما يصفه البطل عن أول استحمام له فيها، بعد تجربة الهروب القاسية. أيضاً، للترجمة علاقة بالمعنى والفهم والدلالة. هذا يؤكّده لنازانيان، بخصوص نشر كتابه الجديد، خشيته وهواجسه من الترجمة، وأنها ربما تؤدّي إلى جعل الكتاب غريباً عنه في النهاية. إجابة نازانيان أن الأمر ينطبق أيضاً على ترجمة الكتب السماوية، وأنه أحياناً يكون الأمر أفضل: الترجمة مقارنة بالأصل. إخراجياً، يقتصد رسولوف كثيراً، بالتركيز على التفاصيل الدقيقة لإبراز الحالة النفسية، ومحاولة التعبير بالصورة عن معضلة اللغة. كذلك، يوظّف فضاءات مفتوحة شاسعة وباردة ومعزولة، وفصل الشتاء، مع الثلج الكثيف والعاصفة، لتعميق إحساس الاغتراب. وكعادته، السياسة حاضرة، لكنه يوظّف نقده السلطة بتأمّل فلسفي في الذات، مُبتعداً عن قضايا المجتمع ليطرح أسئلة وجودية شخصية. صحيح أن الحرية المرتبطة بمشروعه حاضرة، لكنه يركز أكثر على القمع نفسه، أداةً للسلطة، المُمَارس في أسوأ وجوهه وأبشعها، ليس على الجسد والنفس فحسب، بل على اللغة أيضاً. محاولته، المتواضعة قليلاً رغم صدقها، تقديم حكاية جريئة ومنفتحة ومغايرة ومكثّفة، مقارنة بسينماه، تُذكّر بتحفة سينمائية، لا يمكن إغفالها أو تجاوزها، عن المنفى والهوية واللغة: "الحنين" (1983) لأندريه تاركوفسكي، الذي يسبر، بشكلٍ غير مسبوق سينمائياً، موضوع اللغة والمنفى تحديداً. المثير للانتباه أن علي (إحساس الماء) يُشاهد ـ بنظارة واقع افتراضي ـ المشهد الخالد لبطل "الحنين"، بينما يمرّ في حمّام السباحة مُحاولاً الحفاظ على الشمعة المشتعلة. رغم صعوبة مقارنة تجربة رسولوف بتحفة تاركوفسكي، يمكن استيعاب أنها اختبار أو تجريب، أو تَلمُّس لحياة ومهنة وفضاءات ولغة، من الصفر تقريباً، وأنها تنفيس عن هواجس وهموم وأفكار وغضب، وكل ما يؤجّجه الحنين. يتجلى هذا في ذهاب علي إلى مكان برليني، يندر أن يكون شاغراً كما يُقال، للتنفيس عن الغضب بتكسير الأشياء. يمسك علي بالمطرقة الضخمة، ويقف أمام تلفاز كبير، لا يَقْوى على تحطيمه. في النهاية، يبدو أن الإنسان، في ظلّ هذا الوضع، يفلح في إيذاء نفسه فقط. يؤكد هذا قيام علي بزيادة سرعة المشي الرياضي إلى أقصى سرعة، ليسقط فيصاب بجروح.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية