عربي
أمّا أنها مفاجأةٌ من بيت الشعر في المغرب أن يمنح جائزته، الأركانة العالمية، لأربعة شعراء معاً، فإنّ الأهم أنه أراد "تكريم الشعرية الفلسطينية" ممثلّةً فيهم. وقد أفضت إدارة الجائزة، في بيان إعلانها نيْل غسّان زقطان ويوسف عبد العزيز وطاهر رياض وزهير أبو شايب الجائزة، في الذي سوّغت به قرارها، الجريء لا ريب، والمُفرح بداهة، والذي يثير حزمة انطباعاتٍ، وقد جاء فيه إن هذا احتفاءٌ بمُنجَز هذه الشعرية الكتابي "الموسوم بتعدّد الأصوات واختلافِ التجارب"، و"بأفق هذه الشعرية الكتابيّ، المُشرَع على أمداء تتحقق فيها اللغةُ بوَعي لا يتنازل عن نَسَبه الشعري، وهو يواصل انخراطه الفعال في الأسئلة الكونية التي تشغل القصيدة". ولا يملك واحدٌ مثلي، على صداقةٍ مع الفائزين، وفلسطيني وأردني، كما هذا الرباعي، ويُواظب، وإنْ ليس كما سبق، على قراءاتٍ في جديد الشعر وقديمه، غير أن يعلن ابتهاجه بهذا التكريم الذي أراه مستحقّاً، وإنْ، بداهةً، لا يُلغي قيمةً رفيعةً لتجارب شعراء فلسطينيين آخرين تنتسبُ إلى جيل الثمانينيّات في المشهد الشعري العربي، والذي يضمّ المُكرّمين من مؤسّسةٍ ثقافيةٍ مغربيةٍ رفيعة. ومع حقوقي في أن يسرّني تقديرٌ لأصدقاء لي، ومن بني جلدتي، فهذان أمران ليسا أساسيَّين في غبطتي بمفاجأة لجنة التحكيم المقدّرة للجائزة ثمينة المكانة في دورتها الثامنة عشرة، برئاسة الشاعرة المغربية وفاء العمراني، وإنما هو أنّ زهير وطاهر ويوسف وغسّان من أميز الذين ساهموا في تنويعٍ لافتٍ في الصوت الفلسطيني في الأفق الشعري العربي، بعد ضربات محمود درويش وبعض مجايليه، أي في الثمانينيّات التي مضت فيها أصواتُ أصحابنا الأربعة إلى استوائها ووضوحها واختباراتها، منذ ديوانَي غسّان ويوسف الأولَيْن في 1980 وديوانَي طاهر في 1983 وزهير في 1986.
يبقى مفهوم "الشعرية الفلسطينية" إجرائيّاً وأداتيّاً في النظر إلى مسار "الشعر الذي يكتبه فلسطينيون"، بالتعبير الذي يستحسنه طاهر رياض، مُحقّاً ربما، ذلك أن مدعاة الاحتراس هنا أن الموضوعة الفلسطينية، بالمعنى الذي جرى تداوله طويلاً، واستقرّ على إيحاءاتٍ ومضامين دون غيرها، ليست حاضرة تماماً في جهود الشعراء الأربعة، وإن لم تغب غزّة في جديد زهير أبو شايب، مجموعته الخامسة، "تاريخ العطش" (2025)، وإن لا تغادر أنفاس فلسطين وظلالها واليوميّ فيها جديد غسّان زقطان، مجموعته العاشرة "البلدة التي لم أحدّثك عنها" (2025)، وإن يبقى عبور فلسطين ومرورها بادياً بين انشغالات أخرى في مجموعة يوسف عبد العزيز السابعة "ذئب الأربعين" (2009). وإن لا شيء فلسطينيّ الملمس في عاشر مجموعات طاهر رياض "الكأس الحرام" (2023). وطاهر يقول "نحن جزءٌ من الحراك الشعري العربي بمغامراته ومفاجآته وتطلعاته. ونأمل أن نكون قد قدّمنا إضافةً ما".
وليس دقيقاً تماماً، وإنْ ثمّة ما قد يبرّره إلى حد قليل، ما ذاع عن تقاطعاتٍ تلتقي فيها تجربتا زهير وطاهر، ذلك أنك أمام مذاقَيْن في مجرىً واحد، يتوازى مع المجرى العام الذي مضت فيه قصائد يوسف وغسّان وغيرهما. وفي الوُسع أن يلحظ واحدُنا تلك "الحنبليّة" في وفاء اثنيْهما للإيقاع والوزن العروضي الصافي، وهاتان مجموعتاهما الجديدتان تحضُر فيهما قصائد تسلُك عمود الشعر التقليدي، وربما كانا الوحيدَيْن (ربما) من جيلهما اللذين لم يقتربا من قصيدة النثر. وفي الأول والأخير، يُحسَب هذا، وغيرُه، من خياراتٍ جماليةٍ شاسعةٍ يُغادر إلى أيٍّ منها أيّ شاعر، عندما يُحاول متخيّله التقاط التعبير الأقدر عن الشعوريِّ والنفسانيِّ والوجدانيِّ فيه. وغسّان زقطان في "كطيرٍ من القشّ... يتبعني" (2008) يكتب...؛ قلبي ظنانٌ يا أخي/ ووقفتي ناجزةٌ/ ولن يحدِسَ أحدٌ بزوابع رأسي/ كما لم تعُد لي ثقةٌ بعابري الليل هؤلاء/ وحدي وأمامي النهر/ ...، ... لن يحدس أحدٌ بأيٍّ مما في رأس أي شاعرٍ مجتهدٍ، مهجوسٍ بابتكار مجازاتٍ وظلالٍ وأسفارٍ في اللغة، مجرّب مناور، وقد فعل كثيراً من هذا يوسف عبد العزيز الذي بقينا سنواتٍ نطالبه، في جلساتٍ وسهرياتٍ ومناسباتٍ بلا عدد، بقراءة قصيدته "الحظيرة"، والتي بلغت فيها تجاريبُه مدىً باهظاً، وأخّاذاً فيما أرى.
لو نقرأ يوسف وطاهر وزهير وغسّان جيداً، لو نقرأ كل شعرٍ وفيٍّ لمعنى الشعر وجوهره، لو نفعل. هذه حاجةٌ وضرورة، وقد أبدع أصدقاؤنا المغاربة باجتراح جائزة الأركانة العالمية، بمسمّاها الذي يحيل إلى نبتةٍ لا تنوجد إلّا في بلدهم، وأصابوا في ضربة جزاءٍ ناجحة لمّا كرّموا أربعَ شموس شعرية عربية.

أخبار ذات صلة.
حرية الصحافة في سورية
العربي الجديد
منذ ساعة