إسرائيل جديدة في المغرب
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
أثار إقدام مجموعة من اليهود الأرثوذكس على أداء طقوس تلمودية أمام أحد الأسوار التاريخية في مراكش، الأسبوع الماضي، جدلاً واسعاً في المغرب، وأخرج مظاهرات شعبية غاضبة في المدينة الحمراء للتنديد بما وصفه المحتجون بـ"الاستفزاز الصهيوني" لمشاعر المغاربة، مطالبين بوقف كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومحذّرين من خطورة ما يرونها مخططات تتسلل بهدوء إلى المجتمع المغربي. وتعود الواقعة إلى توجه مجموعة من السياح اليهود، لا تُعرف جنسياتهم، ولا يُستبعد أن يكون بعضهم مزدوجي الجنسية من بينهم إسرائيليون، مساءً إلى محيط أحد أسوار المدينة العتيقة، وهم يعتمرون القبّعات السوداء ويرتدون المعاطف الطويلة، على هيئة اليهود الأرثوذكس، ويؤدّون طقوساً تلمودية تشبه ما يُمارس أمام حائط البراق، أو ما يسمّى لديهم حائط المبكى، وذلك أمام أنظار المارّة. وقد وثقت مقاطع فيديو هاوٍ المشهد، وسرعان ما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، ليُشعل نقاشاً حاداً بين مناهضي التطبيع ومدافعين عنه ما زالت تداعياته تتفاعل. التزمت الدولة الصمت، ولم يصدر أي توضيح رسمي، وانطلقت تبريرات من بعض المتصهينين تقلّل من أهمية ما جرى، فذهب بعضهم إلى أن الأمر يتعلق بسياح يهود متعاطفين مع القضية الفلسطينية، وأن توقيت إحدى صلواتهم تزامن مع وجودهم في ذلك المكان ولم يكن مفكّرا فيه أو مخطّطا له، لخفض منسوب الغضب الشعبي. بينما اعتبر آخرون أن المشهد يعكس حرية العقيدة في المغرب، وأجواء الانفتاح والاستقرار التي تعرفها البلاد. أما أكثر الردود استفزازاً فكان التساؤل: لماذا يسمح للمسلمين بالصلاة في الشوارع والأزقة يوم الجمعة، حين تضيق المساجد بالمصلين، ولا يُسمح لغيرهم؟ ولماذا يصلي المسلمون في الفضاءات العامة بدول المهجر ولا يعترض أحد على أفعالهم؟ لكن مناهضي التطبيع لم يصمتوا أمام هذه المرافعات، بل نظموا تظاهرة كبيرة في مراكش استنكرت ما جرى، وطالبت الدولة بوقف كل أشكال التطبيع. كما حذّرت أصوات من الأحزاب والمجتمع المدني والمثقفين والإعلاميين من خطورة الواقعة، وذهب بعضهم إلى اعتبار ما حدث محاولة لاختلاق "حائط مبكى" جديد في المغرب، مستحضرين بدايات الاستيطان اليهودي في فلسطين حين بدأت الحركة الصهيونية بطقوس رمزية مشابهة، قبل أن تتحوّل إلى مشروع احتلال وتمدّد وهيمنة. امتدّ الاختراق الصهيوني إلى الجامعات والمدارس والمعاهد العلمية، وإلى الشركات والاستثمارات بمختلف أنواعها أين الخطورة؟ تكمن أولاً في أن الواقعة تأتي ضمن سياق مسلسل تطبيع تدريجي متواصل منذ توقيع المغرب على الاتفاقات الإبراهيمية سنة 2020، إلى درجة بات معها التطبيع، بل والتصهين، يهدّدان الهوية المغربية ويغذّيان الفتنة بين المغاربة المناصرين للقضية الفلسطينية وفئة قليلة تحرّكها أجنداتٌ صهيونية. فمنذ توقيع تلك الاتفاقات، التي فرضت من أعلى سلطة في البلاد، دخل المغرب في سباق تطبيع متسارع لم تعرفه دول مطبّعة قبله، مثل الأردن ومصر. امتدّ الاختراق إلى الجامعات والمدارس والمعاهد العلمية، وإلى الشركات والاستثمارات بمختلف أنواعها، بما فيها العسكرية والأمنية والاستراتيجية، كقطاع الطاقة المتجدّدة والتنقيب عن النفط والغاز والمعادن النادرة، فضلاً عن امتلاك الأراضي الزراعية الكبرى التي باتت تصدر منتجاتها "الإسرائيلية" من المغرب إلى السوق الأوروبية. كما بلغ الأمر المناهج التعليمية، بل وحتى خطب الجمعة. وفي المقابل، تقلص مجال حرّية الرأي والتعبير والصحافة والتظاهر، فأصبح كل مناهض للتطبيع، أو مجرّد متضامن مع القضية الفلسطينية، معرّضاً للمنع أو القمع أو الاعتقال أو المحاكمة والسجن. وذلك لأن الكيان الإسرائيلي أصبحت له لوبيات متنامية في قطاعات متعدّدة، من الإعلام إلى الجامعة، مروراً ببعض الأحزاب وإدارات الدولة وأجهزتها ومؤسّساتها بما فيها تلك المنتخبة. وفي المقابل، أصبحت أصوات قليلة من المتصهينين، المحميين من دوائر رسمية، تجول وتصول بلا سقفٍ ولا خوف، معبرة عن عدائها لكل من ينتقدها، مستعملة أساليب التشهير والسبّ والقذف، بل ووصل الأمر إلى ملاحقة محتجين، أمام القضاء، بدعوى أنهم أحرقوا علم الكيان الصهيوني في تظاهرات شعبية متواصلة في مدن المغرب وقراه. وهو ما لم نشهده حتى في دول مثل أميركا؟ أين هو موقف الدولة الرسمي؟ مع الأسف، حتى كتابة هذه السطور، لم تصدر أي ردة فعل رسمية بشأن ما باتت تُسمى إعلامياً "صلاة حائط المبكى المغربي"، ما يعدّ، ضمناً، تغاضياً وتسامحاً مع مثل هذه الاستفزازات. والحال أن السلطات نفسها تمنع المسلمين من الصلاة جماعة في الفضاءات العامة، وتفتح المساجد الرسمية المراقبة من وزارة الأوقاف في أوقات الصلاة فقط، ثم تغلقها مباشرة، وتمنع الاعتكاف أو التجمّع داخلها للعبادة، كما يقع في العشر الأواخر من كل شهر رمضان حين يجري إخراج المعتكفين بالقوة أحياناً. فهل يصبح المغرب أرضاً للتسامح وحرية العقيدة حين يتعلق الأمر بغير المسلم فقط؟ الاستهانة اليوم بطقوسٍ توصف بأنها رمزية وعابرة قد تفتح الباب أمام إسرائيل جديدة في المغرب خطورة الحدث، ببعده الرمزي والديني والتاريخي، تنبه إلى ما هو أخطر: مستوى التغلغل الذي بلغه التطبيع داخل المجتمع المغربي. وهو ما يطرح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً واضحاً: إذا كانت أغلبية الشعب المغربي، كما تظهر المظاهرات المتواصلة، ترفض هذا المسار، فمن يستفيد منه؟ ومن يريد فرضه على المجتمع بالقوة؟ من يفعل هذا كمن يلعب بالنار، لأن المشروع الصهيوني ليس فلسطينياً فحسب، بل مشروع استيطان وهيمنة وتوسع بغطاء ديني، يستهدف كل ما هو عربي وإسلامي من طنجة إلى جاكرتا. وإذا كان من فضل لـ"طوفان الأقصى"، رغم التضحيات الكبرى التي لا يزال الفلسطينيون يدفعونها نيابة عن الجميع، أنه كشف الوجه الحقيقي لهذا المشروع، فإن الاستهانة اليوم بطقوسٍ توصف بأنها رمزية وعابرة قد تفتح الباب أمام إسرائيل جديدة في المغرب. وهذا ليس مجرّد وهم، بل تؤكّده تصريحات متطرّفين، في مقدمهم بن غفير، الذي سبق أن زعم أن سكان المغرب الأوائل هم اليهود، وأن أرض المغرب أرضهم. ما حدث يجب أن يدقّ ناقوس الخطر عند المغاربة، أما المطبّعون المتصهينون فهم يؤدّون أدوارهم المعروفة سلفاً. غير أن المسؤولية الكبرى على صاحب القرار، لأن الأمر يتعلق بسيادة المغرب ووحدته، ولا يجوز تركهما في مواجهة أطماع مشروع صهيوني إمبريالي توسّعي يبدأ بالإيحاءات وينتهي بالإملاءات.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية