عربي
تحوّل تهديد المسيّرات فوق مناطق القتال في جنوب لبنان خلال الأسابيع الأخيرة، إلى أحد أكبر التحدّيات لقوات جيش الاحتلال الإسرائيلي. ففي الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، قُتل عامل شركة مقاولات متعاقدة مع وزارة الأمن، جرّاء إصابة جرّافة كان يعمل عليها بمُسيّرة، فيما أُصيب ابنه البالغ 19 عاماً بجروح. كما أعلن جيش الاحتلال اليوم الأربعاء، إصابة جندي أمس جراء هجوم مسيّرة مفخخة.
ويدور الحديث، وفق صحيفة هآرتس العبرية، في عددها اليوم، عن وسيلة قتالية صغيرة وهادئة ومتاحة، لكنها قادرة على تعطيل نمط عمل القوات وخلق شعور دائم بإمكانية تعرّضهم لهجوم، وهو شعور يتزايد في ظل حقيقة أن مهمتهم تتركز على هدم المنازل في القرى اللبنانية، وتُنفَّذ في مناطق مفتوحة.
وترى أوساط إسرائيلية أن حزب الله استخلص الدروس بعد جولة الحرب السابقة، وبحث عن نقاط الضعف لدى قوات الجيش الإسرائيلي عندما تكون داخل منطقة القتال. ويظهر أحد الدروس المهمة، في استهداف التحصينات ومناطق تجمّع الجنود في الميدان بواسطة مسيّرات مفخخة تُشغَّل عن بُعد وتنتظر الفرصة المناسبة. ونقلت الصحيفة قول أحد الجنود حول المسيّرات "إنها تنتظر في الهواء أو فوق أسطح المنازل. وبمجرد حدوث حركة، تنقض على القوات. من الصعب جداً رصدها، فهي صغيرة، وهادئة وسريعة".
ويؤكد تقرير الصحيفة، ما تناولته تقارير إسرائيلية عديدة في الأيام الأخيرة، عن مصادر مختلفة، بأنّ حزب الله يستخدم حالياً مسيّرات موصولة بألياف ضوئية، وهي تمتلك عدة مزايا في مواجهة أنظمة الكشف والاعتراض التابعة لجيش الاحتلال، وهي هادئة ولا تبث إشارات، مما يجعل من الصعب رصدها أو التشويش عليها باستخدام القدرات الإلكترونية المتوفّرة لدى الجيش. وهي أدوات صغيرة يمكنها الوصول إلى نقاط يصعب فيها نصب أنظمة كشف ثابتة، مثل أماكن فوق المباني، وبين الجبال أو داخل مناطق حضرية مكتظة. كما أنها مزوّدة بقدرات تصوير وجمع معلومات في الوقت الحقيقي، مما يساعد على تحديد الأهداف.
ويعترف جيش الاحتلال، بأن المُسيّرات تشكّل تهديداً معقّداً. وقال ضابط رفيع المستوى موجود في لبنان: "تهديد المسيّرات تطوّر، ونحن نتعامل خلال الشهرين الأخيرين مع مئات من هذه المسيّرات". وزعم أنّ: "حزب الله خرق الاتفاق واعتقد أننا لن نرد، لكن من وجهة نظرنا هذا تهديد يجب التعامل معه حتى لو كان يجري خارج الخط الأصفر".
وبحسب جندي موجود في جولته القتالية الثالثة في لبنان منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن "الوضع الآن أسوأ مما كان، لأنه قبل هذه الجولة كان للجيش الإسرائيلي حرية عمل في تنفيذ الهجمات في كل منطقة جنوب لبنان". وأضاف: "الوضع غريب جداً. حزب الله يطلق الكثير من النيران، بينما يُسمح لنا بإطلاق النار فقط عندما يكون هناك تهديد واضح وفوري على القوات، وحتى في تلك الحالة، يجب أن يكون الرد في الغالب باستخدام الوسائل المتوفّرة لدى القوات في الميدان".
يصف ضابط رفيع المستوى، لم تسمه الصحيفة، تهديد المسيّرات بأنه "تحدٍّ كبير"، ويوضح أنه لا يوجد اليوم حل واحد يوفر استجابة كاملة. وبحسب قوله، فإن التعامل مع التهديد يعتمد على مزيج من الانضباط العملياتي، وتحسين قدرات الكشف والاعتراض، وجهد استخباري لاستهداف سلسلة تشغيل المسيّرات. لكن على الأرض، تبرز الفجوة بين الاعتراف بالتهديد وبين القدرة على مواجهته، ذلك أنّ "الحلّ لدى الجيش هو وضع جندي ينظر إلى السماء"، وفق أقوال أحد القادة الميدانيين في جيش الاحتلال، إذ "لا يوجد حل حقيقي. عندما تصل المسيّرة، يكون الوقت قد فات".
تحذير سابق وانتقادات كثيرة
تبدو التهديدات حقيقية، وفق ما تشهد عليه الإصابات في صفوف قوات الاحتلال، كما تُصبح أي حركة في منطقة مفتوحة مخاطرة. في عام 2021 حذّر مراقب الدولة الإسرائيلي في تقريره السنوي، من أن المسيّرات هي "تهديد كبير وآخذ في التطوّر"، وأن الجيش الإسرائيلي لا يمتلك حلولاً كاملة للتعامل معها. كما أظهرت تقارير متابعة لاحقة أن الجهوزية بقيت جزئية، وأن أنظمة الدفاع ليست منتشرة بما يكفي. ورغم الخبرة المتراكمة في جبهات مختلفة، من غزة إلى أوكرانيا، يشعر بعض الجنود بأن الفجوة بين التهديد والرد ما تزال واسعة.
في ظل هذا التهديد المستمر، تتصاعد انتقادات الجنود والقادة ليس فقط لغياب الحلول، بل أيضاً لطبيعة المهمة نفسها. فبحسب شهادات ميدانية أشارت إليها "هآرتس"، فإن جزءاً كبيراً من النشاط في جنوب لبنان لا يتركز على قتال مباشر، بل على تدمير منهجي للمباني في القرى اللبنانية. وقال أحد القادة: "المهمة الوحيدة هي الاستمرار في الهدم. لا توجد مهام أخرى غير ذلك". ورفض قائد آخر ادّعاءات الجيش الإسرائيلي بأن القوات تعمل على تدمير بنى تحتية عسكرية في القرى، قائلاً: "لا يتعلق الأمر ببنى تحتية إرهابية، يتم تدمير كل شيء".
وثمة اعتقاد في جيش الاحتلال، بأن التدمير المنهجي للقرى "الشيعية" اللبنانية، سيمنع السكان من العودة إلى منازلهم، ويطلقون على هذه الخطة اسم "المحراث الفضي". وبوصفه جزءاً منها، يتم يومياً تحديد منطقة لكل القوات في ساحات القتال يجب عليهم تدمير ما بداخلها، وفي نهاية كل يوم عمليات يُطلب من كل قائد الإبلاغ عن عدد المنازل التي دمّرها.
وبحسب ما يقوله جنود وقادة في الميدان، فإن تهديد المسيّرات يُصبح أكبر عندما تكون القوات في حالة حركة أو في مناطق مفتوحة. ففي التحصينات والمباني التي يمكث فيها الجنود يوجد مستوى معقول من الحماية من المسيّرات، بما في ذلك شبكات يفترض أن تلتقط المسيّرة قبل أن تخترق المبنى أو الموقع. لكن معظم عمليات هدم المنازل تتم في مناطق مفتوحة يكون فيها الجنود مكشوفين. وبحسب ما يقوله أحد الجنود الموجودين في لبنان، طُلب من القوات حتى الآن تأمين أعمال هدم تقوم بها جرّافات وآليات تابعة لمقاولين مدنيين يعملون في مناطق مفتوحة. وقال: "نقف مكشوفين ونؤمّن هدم المنازل بينما هناك مسيّرات في الجو. هذا غير منطقي".
وأشار بعض الجنود إلى أن المقاولين المدنيين يحصلون على مقابل مالي بحسب حجم الهدم. وقال أحدهم: "الشركات تربح وفق عدد المنازل، ونحن هناك لنؤمّن لهم العمل، وسط خطر على حياتنا". ويزعم ضابط رفيع آخر أن النشاط يتركز على تدمير بنى تحتية عسكرية، بما في ذلك مناطق تحت الأرض، ووسائل قتالية، وبنى مراقبة واتصالات، وأنه لم تصدر تعليمات شاملة بهدم كل مبنى. وتابع مزاعمه: "نحن نعمل بشكل موضوعي، وفق الحاجة العملياتية"، مضيفاً أن حجم البنى التحتية التي كُشف عنها "استثنائي جداً"، لكن الفجوة بين الرواية الرسمية والشعور في الميدان ما تزال كبيرة. فعندما يُطلب من الجنود العمل تحت تهديد مستمر، في مهام لا يرونها ضرورية، فإن الاستنزاف لا يكون جسدياً فقط، بل معنوياً أيضاً".

أخبار ذات صلة.
حرية الصحافة في سورية
العربي الجديد
منذ ساعة