حجارة من سجّيل
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
تحيلنا القسوة إلى البلاغة، تحيلنا بذاءة الواقع إلى الشعر والفلسفة بحثاً عن ترجمات أرقى لحوادث تجاوزت بواقعيتها قدرتنا على التحمل. اخترعت الفنتازيا لا لتدل على ما هو غير واقعي، بل لتحيلنا إلى قدرة الواقع على تخطي المنطق، فنخترع ما يضاهي جنون الواقع ونهندسه بأنفسنا، علّنا ولو لوهلة نلعب لعبة القدر ونعلن أننا استلمناه وتحكمنا به، ولو بكلمات وصور وقدرة على اجتراع المخيلة. لم أفهم كثيراً فكرة أن تحمل الأمم خصوصياتها الفنتازية وتقول: السوريون فقط، وفي سورية فقط يحدث ما لا يحدث. لكن يأتي الواقع، يفجّر كل ما تملكه من منطق، يفاجئك بقصور مخيلتك، ويوشوش لك لا بصوت خفيض، بل بفرقعة لغم، عما يحدث في سورية فقط. ليس هطول البَرَد حدثاً استثنائياً في ذاته، يحمل شرطه كي يتحجر الماء ولا يصير ثلجاً بل ماساً يتراوح بين المعقول واللامعقول. يهبط البرد في الصحراء، قد تكون سورية، عراقية، سعودية، فيخرج لنا فطراً وكمأًة "فقع". لكن في سورية فقط تطير البلاغة فوق تيه الصحراء، ويحضر الشعر، وبقدرة الله والخيال معاً، يفجّر البرد ألغام الغزاة المنثورة حقداً في بادية متسعة بسعة الخيال. في سورية فقط تتسامح مع البرد الذي قصف عمر زهر التفاح وجرح خده الناعم وعوّره. تسامحه على خراب مواسم الزيتون والبرتقال الضعيفة بهشاشة عناقيد الزهر وواقعنا السوري كله. تسامحه لأنه، بكل عدالة لم نعهدها من أحد، أنقذ روحاً وفجّر لغماً في اللاحد. هكذا، في غيابه وحضوره معاً، فجّر البرد موتاً قادماً من بحر كراهية مزروع ألغاماً على عمق سنوات. خبرٌ عابر في الفضاء السوري. سطران في نشرة، ثم يمضي. لكن من يعرف هذه الأرض يعرف أن العابر فيها ليس عابراً. الألغام لا تُزرع عابرةً، والبرد لم ينزل بالمصادفة على تلك البقعة بالذات، أو هكذا تريد الدهشة أن تقول، لا اليقين. كانوا يعرفون، من زرعوا الألغام، أن الأرض ستُعاد. أن أهلها سيعودون. وزرعوا الكراهية على أمل الغياب الأبدي. لكنهم لم يحسبوا البرد. لم يحسبوا أن السماء قد تتدخل بطريقتها الساذجة الجبارة، بحجارة من ماء متحجر، بأبابيل لا تُرى ولا تُسمع إلا حين تفعل فعلها. في سورة الفيل، جاء الرد على جيش أبرهة لا بجيش مقابل، بل بطير تحمل حجارةً من سجيل. من طين وحجر. من مادة الأرض ذاتها، مُعادة ومُرسَلة. وحين أفكر في البرد الذي نزل على بادية الشام ففجّر ما زُرع لقتل السوريين، أجد نفسي في المكان ذاته: لا أملك سوى الدهشة. دهشة من أن الأرض تتكلم بلغة لم نتعلمها، نحن الذين اخترعنا اللغات وصنّفنا الأصوات وسمّينا الأشياء، نحن الذين قررنا أن البرد مجرد ماء عجز أن يصير ثلجاً، وأن الصحراء رمل وصمت ومضارب لمحبوبة لا نفع لها سوى الوقوف على أطلال ذكراها والموت فداء لها، نحن الذين رسمنا خرائط الأرض وقسّمناها مربعات غربة وحنين وحدود شائكة لقطع نياط القلب، نكتشف أننا لم نتعلم من لغة الأرض شيئاً. لم نتعلم أن لها ذاكرة أطول من ذاكرتنا، ولسمائها حساباً لا يشبه حساباتنا. نظن أننا أصحاب المعنى، واضعو التفسير، خالقو الدلالة. ثم يسقط البرد في بادية الشام ويفعل ما لم تفعله جيوش ولا محاكم ولا قرارات دولية، فنقف نتلعثم بلغتنا نحن، المخترِعين، أمام لغة لم تحتج يوماً لأن نخترعها. وأن السماء تختار عدالتها بطريقة لا يصفها غير الشعر.  حيث في سورية فقط، يعجز المجاز عن التقاط ما في الطبيعة من شعر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية