إمكانية "عولمة" قضية الأسرى الفلسطينيين
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
يمثّل إقرار الكنيست الإسرائيلي (في 2026/3/30) قانونًا يفرض عقوبة الإعدام على الأفراد الذين تصنّفهم إسرائيل "إرهابيين" ذروةً تصعيديةً، وتوظيفاً للانشغال العالمي بالحرب ضدّ إيران ولبنان، من أجل استكمال تصفية أركان قضية فلسطين، خصوصاً قضية الأسرى في المعتقلات الإسرائيلية. لذا وفي إطار تحليل إمكانية "عولمة" قضية الأسرى الفلسطينيين، وكيفية إدراجها ضمن استراتيجية نضالية فلسطينية شاملة، والتصدي لقرار الكنيست بإعدام الأسرى، يمكن التوقّف عند ثلاث ملاحظات: أولاها؛ تتعلّق بوجود "فرصة" لعولمة قضية الأسرى، في ظلّ معطيات البيئة العالمية الراهنة، إذ أدّى توحش جيش الاحتلال في حرب إبادة غزّة، وتشديد العقاب الجماعي ضدّ الغزّيين، على مدار أكثر من عامين ونصف، إلى تحريك موجة من مظاهرات التضامن العالمي مع قضية فلسطين، بالتوازي مع تصاعد الاعترافات الدبلوماسية الدولية بالدولة الفلسطينية، على نحو أدّى، إلى تفوق السردية الفلسطينية على نظيرتها الإسرائيلية، حتّى في معاقل نفوذ الصهيونية في الولايات المتّحدة ودول أوروبا الغربية وأستراليا وكندا؛ إذ استعادت قضية فلسطين، ربّما لأوّل مرّة منذ عقود، طبيعتها قضية "تحرر وطني"، في مواجهة قوات احتلال لا تتورّع عن ارتكاب جرائم الحرب كلّها، عوضاً عن صورة إسرائيل في عقد التسعينيات، بوصفها "دولةً ساعيةً إلى تحقيق السلام، على الصعيدين الفلسطيني والإقليمي". وعلى الرغم من استمرار الاحتكار الأميركي/الإسرائيلي لملفات قضيتي غزّة وفلسطين، ومحدودية الضغط العربي/ الإقليمي على واشنطن بهذا الصدد، فقد استمرّ حراك المتضامنين الدوليين مع قطاع غزّة، وتنوعت مبادراتهم، لا سيّما في مجالين؛ أحدهما مسألة تسيير أساطيل الحرية، وسفن كسر الحصار عن قطاع غزّة، ما يعني استمرار الأبعاد العالمية الشعبية، في الضغط على المواقف الرسمية الأميركية والأوروبية والإسرائيلية من قضية قطاع غزّة. والآخر، الدعوة إلى توسيع الحراك العالمي في يوم الأسير الفلسطيني، الّتي أطلقتها حملة "الأشرطة الحمراء"، وتنظيم الفعاليات في الشوارع والساحات العامة ومراكز المدن في مختلف أنحاء العالم، في 17-19 إبريل/نيسان 2026. أما التحدي الثالث فيتعلق بتشبيك (Networking) الجهود الفلسطينية والعربية والإقليمية مع نظيرتها العالمية، بغية تكوين ائتلاف عالمي رسمي وشعبي، لدعم قضيتي غزّة وفلسطين ورغم توثيق الحملة 144 فعاليةً في 19 دولة حول العالم، فإنّ منسق الحملة، عدنان حميدان، شدّد على تصعيد الضغط الشعبي في العواصم العربية والغربية الكبرى، وصولاً إلى تحميل الدول الصامتة مسؤولية التواطؤ الأخلاقي والسياسي، ولا سيّما تغييب الصليب الأحمر عن متابعة قضية الأسرى. تتعلّق الملاحظة الثانية بالتحديات الماثلة أمام "عولمة" قضية الأسرى، وأولها ضعف الموقف الرسمي الفلسطيني، وتردد السلطة الفلسطينية الواضح بشأن اتخاذ أيّة خطوات عملية/ تنفيذية لتدويل القضية، والاكتفاء ببيانات الشجب والإنكار والتصريحات الدبلوماسية، من دون الارتقاء إلى مستوى التعامل مع خطورة قانون إعدام الأسرى، ناهيك عن رسم استراتيجية تتصدى لمجمل ممارسات التصعيد الإسرائيلية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، علمًا بأنّ منظّمة التحرير الفلسطينية قد أهملت معالجة قضية تحرير الأسرى إبان توقيع اتّفاق أوسلو (في 1993/9/13)، وكان بإمكانها الإصرار على مبدأ "تبييض السجون الإسرائيلية"، بوصفه "حقًّا فلسطينيًّا" لا يقبل المساومة أو التأجيل؛ إذ تحتاج منظّمة التحرير إلى تصحيح نهجها السياسي، والتوقف عن تأجيل حسم القضايا الكبرى (القدس، عودة اللاجئين، الاستيطان، تحرير الأسرى)، والعمل على استثمار رمزيتها وقدرتها على تجميع الكل الفلسطيني، تمهيدًا لاستعادة دور المنظّمة وتجديد مؤسساتها، وإعادة إحياء الحركة الوطنية على أساس المصالحة بين أطرافها المتنافسة، وتفعيل المشاركة السياسية لجميع الأطراف، واستنهاض الشعب الفلسطيني كلّه، في انتفاضة شعبية شاملة، إدراكاً لحقيقة أن استمرار الانقسام وغياب الاستراتيجية يلعبان دوراً حاسماً في تحجيم مكاسب الفلسطينيين، ويعيقان أيّ إمكانية للاستفادة من تغيّر البيئة الدولية لمصلحة قضية فلسطين. يتعلق التحدي الثاني بغياب/ ضعف الموقف الرسمي العربي والإقليمي من مسألة تحرير الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، الذي يبقى مهمًّا لدعم هذه القضية؛ إذ يصعب تصور نجاح جهود التضامن العالمي مع قضية فلسطين في التأثير على المواقف الإسرائيلية، إذا لم تحدث "تغيرات جذرية" في المواقف الرسمية العربية والإقليمية، ولا سيّما عبر مراجعة مسارات التطبيع والتجارة مع إسرائيل، وكذا مراجعة الرهان العبثي على الدور الأميركي في الضغط على حليفها الإسرائيلي؛ إذ يجب أن تُعاقِب/ تَعزِل الدولُ العربيةُ الفاعلةُ إسرائيلَ إقليمياً ودولياً، لإجبارها على وقف انتهاكها الحقوق الفلسطينية والعربية، سواء في قضية الأسرى أم سواها، علماً بأنّ ثمّة حاجة عربية إلى إعادة تقويم تداعيات/ أخطار السياسات الإسرائيلية في فلسطين، وإقليم الشرق الأوسط إجمالاً، الّتي تجرُّ الجميع إلى سيناريو "فوضى إقليمية"، يكاد يحرق الأخضر واليابس في المنطقة والعالم بأسره. أما التحدي الثالث فيتعلق بتشبيك (Networking) الجهود الفلسطينية والعربية والإقليمية مع نظيرتها العالمية، بغية تكوين ائتلاف عالمي رسمي وشعبي، لدعم قضيتي غزّة وفلسطين، علمًا بأن تصاعد أدوار الدول المتوسطة في النظام العالمي (مثل إسبانيا وتركيا وباكستان وإندونيسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا.. إلخ)، بالإضافة إلى أدوار الفاتيكان والصين، يمثّل "فرصةً مواتية" لتدعيم تيار احترام القانون الدولي في العلاقات الدولية في مواجهة تصاعد العدوانية، واستسهال شنّ الحروب في السياسات الأميركية، خصوصاً إدارة الرئيس دونالد ترامب، ودعمها المتصاعد حروب "الإبادة الإسرائيلية" ضدّ قطاع غزّة، وصولاً إلى شعوب المنطقة عموماً. استمرّ حراك المتضامنين الدوليين مع قطاع غزّة، وتنوعت مبادراتهم، لا سيّما في مجالين؛ أحدهما مسألة تسيير أساطيل الحرية، وسفن كسر الحصار عن قطاع غزّة، ما يعني استمرار الأبعاد العالمية الشعبية تتعلّق الملاحظة الثالثة بأهمّية إدراج قضية تحرير الأسرى ضمن استراتيجية نضالية فلسطينية شاملة، علماً بأنّ منهج "صفقات التبادل" أصبح محدود القيمة، بعد إقرار قانون إعدام الأسرى، الذي يحمل مؤشراتٍ قوية على تصاعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نحو صراع صفري (Zero-Sum Game)، بسبب إعادة تعريف إسرائيل نفسها دولة فصل عنصري "أبارتهايد"، تُميز على أساس العرق والدين، وتُشرعن سياسة "قتل الأسرى الممنهج"، ما يؤكّد أمرين؛ أحدهما الرغبة الإسرائيلية في تصفية الوجود الفلسطيني جسدياً وقانونياً وسياسياً وثقافياً، وصولاً إلى تهجير معظم الشعب الفلسطيني خارج أرضه. والآخر تكريس نهج الإبادة الجماعية ضدّ الشعب الفلسطيني بأكمله، وتوظيف الدعم الأميركي اللا محدود لإسرائيل، وكذا توظيف استمرار ازدواجية المعايير في التعامل الدولي مع قضية فلسطين وأسراها، إذ يجري تطبيع عملية "إبادة الأسرى" على الصعيدين الإقليمي والعالمي، بعد تطبيع إبادة قطاع غزّة الّتي باتت تزحف حثيثاً نحو الضفّة الغربية وجنوب لبنان. يبقى في الختام تأكيد أمرين؛ أحدهما، أهمّية العمل على تصعيد الضغوط الطلابية والشعبية والحزبية والنقابية على صنّاع القرار في العالم لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، بالتوازي مع العمل على رفع كلّ القيود عن أنشطة التضامن مع الشعب الفلسطيني، ما يستلزم تكثيف سياسات الاحتجاج الشعبي/ الجماهيري، مرورًا بإبداع أدواتٍ جديدةٍ (تشمل الفضاء الإلكتروني والسيبراني)، وصولاً إلى تنظيم أطرٍ من التشبيك العالمي المدني الحقوقي القانوني، وانتهاءً بــ"ثورةٍ شعبيةٍ عالميةٍ" موجهةٍ ضدّ الاحتلال الإسرائيلي والقوى الدولية الداعمة له. والآخر، أن "عولمة" قضية الأسرى خيارٌ ممكن، شريطة التعامل مع تحدياتها، ومعالجة ثغرات المواقف الفلسطينية والعربية الرسمية، وإفساح المجال أمام المواقف غير الرسمية لتعبّر عن دعمها فلسطين، بغية رسم استراتيجية فلسطينية عربية إقليمية، تقوم على توظيف المتغيرات الدولية والإقليمية لمصلحة قضية فلسطين، الّتي ستبقى قضية حرية وعدالة للشعب الفلسطيني، مثلما ستبقى قضيةً عربيةً وإقليميةً تختبر صلابة الإرادة السياسية الإقليمية في مواجهة التغول الإسرائيلي في المنطقة، وكذا قضيةً إنسانيةً حقوقيةً عالميةً في سياق تحشيد الحلفاء والأصدقاء بهدف مقاومة السياسات الأميركية الإسرائيلية، وكسر الرغبات الجامحة في التنكر للقانون الدولي والمبادئ الإنسانية/ الأخلاقية، الّتي ستؤدّي في المحصلة الأخيرة إلى تصعيد/ استمرار الأزمات والحروب في هذه المنطقة المنكوبة، الّتي لا تكاد تخرج من حرب حتّى تسقط في براثن حرب جديدة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية