عربي
استطاع الرئيس السوري أحمد الشرع اقناع الإمارات بالإفراج عن عصام بويضاني الذي كان قد أُوقف فيها في إبريل/ نيسان 2025 بتهمة باطلة، هي الانتساب إلى جبهة النصرة، في حين كان "يحاربها" في دوما. كان الرجل أحد قادة جيش الإسلام قبل انهيار نظام الأسد، وهو فصيل سلفي استلم البويضاني قيادته بعد مقتل مؤسّسه زهران علوش في غارة جوّية روسية في 2015. بعد الانهيار، صار البويضاني أحد قادة الجيش السوري الجديد في "مؤتمر النصر" (29/1/2025)، وكان لا بدّ من التدخّل للإفراج عنه... لماذا اهتم الشرع بموضوع البويضاني كثيراً؟
كانت للبويضاني مكانة وتأثير قوي في دوما وبلدات غوطة دمشق الشرقية، وكان لا بدّ من إعادته من الإمارات ليستعيد دوراً عسكرياً له في الغوطة أو غيرها، استمراراً لعملية تمكين قادة الفصائل الأخرى في المحافظات السورية. والخطأ هنا أن هذا الأمر لا يسير خطوةً نحو دمج الجيش أو تسليمه لقادة عسكريين نظاميين، بل يعيد إنتاج قادة الفصائل السابقة قادةً للجيش الجديد، الذين هم قادة مناطقيون يمثّلون عشائرهم وعائلاتهم ومصالح تلك الفئات. الأمر الذي يناقض مهام الجيش الحديث بوصفه إحدى وسائل دمج المجتمع وتجاوز انقساماته الأهلية. وهذا الخيار يُعزّز تلك الانقسامات الأهلية، فهل هذا لمصلحة سلطته ولمصلحته، وهو الساعي إلى قيادة (وإنجاح) الفترة الانتقالية التي حدّدها بنفسه بخمس سنوات؟
الإبقاء على الفصائلية في الجيش بغرض تعزيز السلطة يجعل منها قيوداً على سياسات الرئيس السوري في الوقت نفسه، وهو ما يعانيه الشرع بشكل كبير منذ وصوله إلى السلطة. فوجود الفصائلية يعني افتقاد سياسات دولتية وطنية دامجة للمجتمع، تعيد إنتاجه في سياق المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، أي سياق إعادة تشكيل الدولة. ولنلاحظ أنّه لم تجر إقالة قادة موضوعين في قوائم المحاسبة الدولية (خصوصاً القائمة الأميركية)، من أمثال "أبو عمشة". الأمر نفسه حصل مع قادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)؛ فرغم الاعتراض على بعضهم في الرقّة، فإنّ التسوية بين السلطة في دمشق و"قسد" أدّت إلى تولّي بعضهم مناصب عسكرية وإدارية، ولاقى هذا اعتراضات كردية... إذاً، هناك خطأ كبير يتكرّس. لماذا؟ لأنّ هذه الفصائلية قد تتفكّك في لحظة تأزّم بين قادتها وسلطة دمشق، ونعود إلى المربّع الأول، أي تفكّك سورية، كما قبل هروب بشار الأسد، إذ كانت البلاد في عهد الأخير تعاني تفكّكاً حتى كان لدينا "أربع سوريات"، ففي كلّ منطقة هناك جيوش لا حصر لها، ولقادتها النفوذ الأول. تعزّز الفصائلية سياسة الإقطاعات التي يتزعّمها كلّ قائد في هذه المحافظة أو تلك، في هذه الفرقة العسكرية أو تلك.
أن يُستقبل البويضاني في القصر الجمهوري، ثم يذهب الصفّ الأول من السلطة إلى دوما (23 إبريل/ نيسان الحالي)، لا يؤسّس علاقةً سليمةً مع الشعب كما ترغب السلطة، بل يؤسّس فقدان الثقة، ويكرّس تعدّدية الفصائلية. يتحمّل البويضاني قائداً لجيش الإسلام، مع قادة فيلق الرحمن وجبهة النصرة وآخرين، مسؤولية مقتل قرابة 800 شاب من المقاتلين ضدّ سلطة بشّار الأسد في 2016، بسبب خلافات بينهم على السيطرة على الغوطة، وعليه، وعلى زملائه في القيادة، تقع مسؤوليات تتعلّق بإخفاء أربع شخصيات حقوقية: رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وقضايا حقوقية أخرى. فما العمل لو أنّ دعاوى قضائية دولية رُفعت وحُمّل البويضاني المسؤولية عنها؟ كيف ستتصرّف السلطة، وقد صار الرجل أحد قادة الجيش الجديد؟
كانت للبويضاني مكانة وتأثير قوي في دوما وبلدات غوطة دمشق الشرقية، وكان لا بدّ من إعادته من الإمارات ليستعيد دوراً عسكرياً له في الغوطة أو غيرها
مجريات العدالة الانتقالية التي تتحكّم بها السلطة ضيّقة، ويجب أن تتوسّع لتشمل الانتهاكات التي حدثت قبل انهيار النظام، وما بعده أيضاً. هذا المسار، وبشكله الراهن، عدا أنّه لا يؤسّس استقراراً أمنياً، ولا مصالحةً وطنيةً، فسيظلّ سوطاً بيد الخارج، وملفّاته قابلة للفتح والابتزاز في أيّ لحظة. إنّ الشكل الذي يُبنى فيه النظام السياسي، ومن ضمنه الجيش، وهو شكل فصائلي تهيمن عليه الكوادر القادمة من هيئة تحرير الشام، وهناك التسويات مع قادة من نظام الأسد السابق. لا يؤدّي هذا إلى الثقة التي تتآكل، في ظلّ تراجع الرصيد الشعبي، وهو ما يمكن رصده من خلال مقولة تسود الشارع "نحن مع أحمد الشرع"، قاصدين أنّهم ليسوا مع بقية رجالات سلطته، وبدأت الأصوات تتعالى ضدّ وزيرَي الاقتصاد والطاقة بشكل خاص.
الكلمات لا تكفي؛ فهناك تناقض بيّن: يتحدث الشرع عن اهتمام الحكومة بالغوطة، بينما إعلام السلطة يتحدّث عن مشاريع في جبل قاسيون أو وادي بردى أو عن مشاريع عقارية أخرى بعيداً من بلدات الغوطة المدمّرة. وفي كلمة الشرع في دوما تقدير لخطورة عدم الاهتمام ببلدات الغوطة، وحتى بكلّ المدن المدمّرة في سورية، ولكن أولويات السلطة البعيدة عنها هي الخطأ الكبير الذي يحدث. مع وراثة كمّية هائلة من الأزمات، خصوصاً الفقر الذي انتشر بين أكثر من 80% من السوريين، وذلك الدمار، ولأنّها لم تكن أولوية على طاولة السلطة، فقد اتجهت الأخيرة نحو سياسات اقتصادية نيوليبرالية مناقضة لمصلحة الأكثرية، تزيد الفقراء فقراً، وتؤسّس علاقةً استثمارية بحتة مع السكّان عبر رفع سعر الكهرباء مثلاً، وبالتالي أسعار الخدمات العامّة كلّها. أوضاع اجتماعية واقتصادية كهذه تتطلّب معالجةً مناقضةً كليةً لكلّ السياسات السلطوية وفي المجالات كافّة.
تهدئة الأوضاع (إعادة البويضاني، وقد حدثت تظاهرات أخيراً تطالب بذلك) قضية سياسية بامتياز، بل وصحيحة أيضاً، ولكنّ استغلالها، كما فعلت قيادات السلطة بذهابها إلى مدينة دوما، لن تكون له نتائج جادّة ما لم يترافق مع تغيير حقيقي في السياسات، ووفق ما تنّبه إليه الشرع. إذاً، يجب أن تتركّز السياسات نحو النهوض بالغوطة، وبكلّ مناطق الثورة المدمّرة، ولا يزال هناك مهجّرون في مخيّمات الشمال.
من الضروري انفتاح السلطة على المجتمع السوري للانطلاق نحو النهوض العام
لم يسارع الشرع إلى تهدئة الأحوال مع السوريين العلويين، ولا مع السوريين الدروز، كما فعل بزيارته الغوطة، وهي زيارة تتجاوز المباركة بعودة البويضاني، وإنّما هي زيارة إلى الغوطة كلّها؛ فهناك حالياً بداية تذمّر اجتماعي واسع بدأ يأخذ صيغة اعتصامات، لا تزال أوّلية، مثل اعتصامَي باب توما وساحة يوسف العظمة في دمشق، لكنّها قابلة للتوسّع كذلك. والسؤال: هل هذه الاعتصامات من فعل ناشطين معزولين عن أحوال الشعب، أو حدثت بتدخّل خارجي كما يزعم بعضهم؟ وهناك من قال إنّ من قادها فلول. هناك مئات من الاعتصامات الصغيرة هنا وهناك، ولأسباب معيشية صرفة، وتعبّر بوضوح عن أوضاع كارثية تقود إلى الجوع. ومن هنا خطورة انغلاق المجال السياسي، والاكتفاء بتعزيز الفصائلية وقادتها الذين لن يكونوا ممثّلين للشعب بالمعنى الدقيق، بل للسلطة في مناطقهم. ولكن هل هذا سيسمح بضبط المناطق المتضرّرة منذ 2011؟ الجواب هنا: لا. سيقود الجوع المواجهة.
مرّت قرابة عام ونصف عام ولم تتغيّر أوضاع الأكثرية السورية، وازدادت في بعض المناطق سوءاً، والسبب التوجّه الاقتصادي الذي تتبنّاه السلطة، الذي لم يراع فئات تُعتبر أعمدةً للحكم المستقّر: الصناعيين، والفلاحيين، والعاطلين عن العمل وفئات أخرى. ولن نسهب في الخطأ الكبير في تجاهل المشيخات التاريخية السنّية القديمة والتدَّين التقليدي. وبالتالي، هناك ضرورة كبيرة للانفتاح على المجتمع بمستوياته كافّة، والانطلاق منها إلى النهوض العام، فمن هنا تتأسّس الجمهورية الجديدة. ومن دون هذا، المزيد من الأزمات أمام السلطة، تساهم هي نفسها في وجودها.
