مستقبل حلف شمال الأطلسي في ضوء الحرب على إيران
عربي
منذ ساعة
مشاركة
العلاقات بين ضفتي الأطلسي لن تعود إلى ما كانت عليه، قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ثمة تباين ظهر على السطح منذ اليوم الأول الذي تساقطت فيه القنابل على طهران وباقي المناطق. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن حلف شمال الأطلسي (ناتو) "خضع لاختبار وفشل"، واعتبر أنه "لم يكن موجوداً عندما احتجنا إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مرة أخرى". وعلى وقع هذه التطورات، التقى ترامب الأمين العام للحلف مارك روته، في الثامن من إبريل/ نيسان الحالي، بعد أسبوع من تصريحه لوكالة رويترز بأنه "يدرس بجدية" سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي بعد رفض حلفاء أميركا الانضمام إلى الحملة الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكشفت وكالة رويترز نقلاً عن مسؤول أميركي لم تسمه، أمس الجمعة، أن رسالة بريد إلكتروني داخلية في وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في "ناتو" يعتقد أنها لم تدعم العمليات الأميركية في الحرب على إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بالسيادة على جزر فوكلاند. وذكر المسؤول أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه باعتباره تردداً أو رفضاً من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز العسكري وعبور الأجواء في إطار حرب إيران، وأشار إلى أن الرسالة وصفت حقوق الوصول والتمركز العسكري وعبور الأجواء "مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي"، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في "بنتاغون". وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق تولي الدول "صعبة المراس" مناصب مهمة أو ‌مرموقة في حلف الأطلسي. وقال المسؤول إن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستنسحب من الحلف، ولا تحتوي أيضاً على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم "بنتاغون" كينغسلي ويلسون: "مثلما قال الرئيس دونالد ترامب، فعلى الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة للحلفاء في حلف شمال الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا". وأضافت ويلسون "ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ‌ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق، بل أن يضطلعوا بأدوارهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن". حلف شمال الأطلسي وحرب إيران توتر الموقف على إثر عدم إعلام دول حلف شمال الأطلسي قاطبة بقرار أميركا وإسرائيل إعلان الحرب، في الوقت الذي كانت تتواصل فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران. وشكّل ذلك نقطة خلاف أساسية تطورت تدريجياً لتصبح شرخاً واضحاً. وتكمن المقاربة الأوروبية هنا في عدة نقاط أساسية: الأولى، أن الخلاف مع إيران ليس شأناً أميركياً إسرائيلياً، بل مسألة تخص أوروبا ودول الخليج بالمقدار نفسه، ما يعني أن كل خطوة يجب أن تحظى بموافقة الجميع حتى يجري التوزيع العادل للمسؤوليات والأعباء والتكاليف. والنقطة الثانية أنه ليس هناك خلاف حول الدور القيادي للولايات المتحدة، شرط أن يخضع للتشاور والإشراف من قبل الشركاء الأوروبيين. والنقطة الثالثة أنه ليس هناك توافق على دور إسرائيل وموقعها في هذه الحرب، لأن أهدافها ودوافعها مختلفة عما تراه أوروبا للوضع الإيراني، وهذا ما أدى إلى حصول احتكاكات بين تل أبيب وبعض العواصم الأوروبية كباريس وروما. سنّ الكونغرس الأميركي قانوناً يمنع الرئيس من "تعليق، أو إنهاء، أو إدانة، أو الانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو)"، من دون موافقة مجلس الشيوخ أو قانون صادر عن الكونغرس هناك اعتراضات أوروبية صريحة على خرق أميركا المفاوضات مع إيران، التي كانت تجري بوساطة من سلطنة عمان، وهي تختلف كلياً معها حول مبررات الحرب. ويتلخص رأي الدول الأوروبية في أن إيران لم تصل إلى درجة تهدد السلم الإقليمي والدولي، حتى تُشَن حرب تدميرية شاملة عليها. والمسألة الثانية تكمن في الشعور بالتهميش نتيجة قرار الحليف الأميركي بالذهاب إلى الحرب، من دون إعلام حلفائه الأوروبيين واستشارتهم. ويُضاف إلى ذلك تعارض في المقاربات والحلول ومصالح الأطراف في المنطقة. أوروبا الأطلسية بخلاف الولايات المتحدة أبدت موقفاً لمصلحة حلول سلمية من طريق الحوار والاحتواء، كذلك فإنها تحتفظ بعلاقات ومصالح مهمة على شطري الخليج، في البلدان العربية وإيران. وتدرك أن الحرب لن تمر من دون آثار سلبية على ذلك، خصوصاً توريد الطاقة. السؤال المطروح هو عن قرار ترامب بين الانسحاب من حلف شمال الأطلسي أو المراجعة. وهناك إجماع في أوساط الخبراء الأوروبيين على استحالة السيناريو الأول لثلاثة أسباب: الأول، في عام 2023، سنّ الكونغرس الأميركي قانوناً يمنع الرئيس من "تعليق، أو إنهاء، أو إدانة، أو الانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو)"، من دون موافقة مجلس الشيوخ أو قانون صادر عن الكونغرس. ومن المستبعد جداً تغيير هذا القانون قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، ويستحيل تغييره لاحقاً إذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب. السبب الثاني، تحظى عضوية حلف شمال الأطلسي بشعبية واسعة بين الأميركيين، وقد أظهر استطلاع رأي عام 2025 أن 66% من المشاركين الأميركيين، يعتقدون أن أميركا استفادت من عضوية "ناتو". ورغم الانقسام في الولايات المتحدة، كما هو الحال في كثير من الأمور، يؤيد عدد أكبر من الناخبين الديمقراطيين (77%) عضوية "ناتو"، مقارنةً بالجمهوريين (45%)، إلا أن من الواضح أن الأميركيين عموماً يؤيدون عضوية "ناتو". السبب الثالث، سيؤدي الانسحاب من "ناتو" إلى إضعاف القوة العسكرية الأميركية بشكل كبير. وقد خلصت أكثر من نصف قرن من الأبحاث التي أجراها مؤرخون ومتخصصون في العلاقات الدولية، إلى أن ترك حلف شمال الأطلسي من شأنه أيضاً أن يضعف الولايات المتحدة إلى حد كبير. وحسب مؤشرات محددات الحرب، وإذا كانت الولايات المتحدة تفكر في خوض حرب منفردة ضد الصين، فإن ذلك أمر مشكوك فيه، وهي تحتاج إلى كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وتركيا، كي تشكل قوة عسكرية قادرة على التفوق على نظيرتها الصينية. وفي حال مواجهة ستجد الصين نفسها في حالة حرب مع 32 دولة من دول حلف شمال الأطسي ودول في الشرق الأقصى، مثل اليابان وإندونيسيا وفيتنام، التي لديها مخاوف جدية بشأن تنامي قوة الصين، لكنها ليست أعضاءً في الحلف. ولذا، بغض النظر عن موقف الرئيس الأميركي النقدي تجاه حلف شمال الأطلسي "ناتو"، فإن الحقيقة هي أنه من دون دعمه، قد تلقى الولايات المتحدة هزيمة مُذلة أمام الصين في مواجهة مستقبلية بشأن تايوان. أميركا أقوى بكثير باعتبارها جزءاً من حلف شمال الأطلسي "ناتو". إلى ذلك، هناك احتمال قوي لأن تخضع العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لمراجعة في المرحلة المقبلة، في ضوء الانتقادات المتواصلة التي يوجهها له الرئيس الأميركي، وخيبة أمله في أن يكون سنداً عسكرياً قوياً له في الحرب، لكن الدول الأوروبية لم تستجب لطلباته، وعاكست حساباته، ولم تخضع لابتزازاته وتهديداته. وحتى تستقيم قراءة الموقف، لا بد من الإقرار بأن العلاقات بين ترامب و"ناتو" لم تكن جيدة منذ ولايته الأولى (2017-2021)، حيث انتقد حلف شمال الأطلسي عدة مرات، ووصفه بأنه عبء على الولايات المتحدة، وطالب الدول الأوروبية برفع نسبة مساهمتها في موازنة الحلف من 2% من الناتج المحلي إلى 5%. ولوّح عدة مرات بالانسحاب من الحلف، وقام بخطوات ملموسة حين بدأ بسحب القسم الأكبر من القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا، وخصوصاً من ألمانيا، وقد تدارك خلفه جو بايدن ذلك، وأعاد نشرها من جديد بعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير/ شباط 2022. انتقد ترامب صراحة بريطانيا التي لم تقبل انطلاق القاذفات الأميركية من القاعدة المشتركة دييغو غارسيا قام توجه ترامب على حلف مبني على المصالح تتعهد فيه أوروبا بإنفاق دفاعي أكبر والتزامات عسكرية أوضح، وهذا ما تُرجم خلال حرب أوكرانيا، حيث زجت دول أوروبا بعشرات آلاف الجنود، ونشرتهم في بولندا ودول البلطيق (ليتوانيا، إستونيا، لاتفيا) تحسباً من هجوم روسي. ومع ذلك نشأ خلاف صريح حول المادة الخامسة من ميثاق الحلف الخاصة بالدفاع المشترك، إلا أن شكل هذه الاستجابة، بل وحتى إمكانية اللجوء إلى هذه المادة من الأساس، كان متفاوتاً على مدار ثلاثة أرباع القرن منذ تأسيس الحلف، ويتمتع الحلفاء بصلاحيات واسعة في تحديد ما يرونه ضرورياً لاستعادة الأمن وحمايته. وتتسم المادة الخامسة بالغموض في هذا الصدد. ومن المرجح إعادة النظر فيها، وخصوصاً أن العلاقات مع أوروبا الأطلسية، باتت تسير في عدة مسارات، وتعمل في أكثر من مستوى، الأول على صلة قوية بالولايات المتحدة ويضم بولندا ودول البلطيق التي ترى في روسيا خطراً وجودياً، ولا سبيل لحمايتها إلا بتحالف وضمانات وثيقة من الولايات المتحدة. الثاني يرى أن العلاقات مع الولايات المتحدة مشروطة سياسياً، كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وفي المستوى الثالث تقع إسبانيا التي شهدت علاقاتها مع الولايات المتحدة لانتكاسة كبيرة بسبب توجه حكومة بيدرو سانشيز المعارض للمشاريع الأميركية والسياسات الإسرائيلية. المعارضة الأوروبية لترامب وثمة سؤال مهم يطرح نفسه: هل أثّرت مواقف أوروبا الأطلسية بخطط ترامب للحرب. والإجابة الغالبة نعم، رغم أن الولايات المتحدة قوة عسكرية جبارة، تستطيع التحرك وحدها، لكنها كانت تود حرباً ذات زخم واندفاع كبيرين، وتخفيف كلفتها عن نفسها وتحقيق نصر سريع ساحق على إيران، يجبرها على الركوع والاستسلام. وقد ساهم الموقف الأوروبي الذي نأى بنفسه في الحد من الخيارات العسكرية أمام أميركا، وأجبرها على تغيير بعض الخطط بسبب رفض دول أوروبا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها لضرب إيران، وقد انتقد ترامب صراحة بريطانيا التي لم تقبل انطلاق القاذفات الأميركية من القاعدة المشتركة دييغو غارسيا في الأيام الأولى للحرب. والأمر الثاني هو أن دول أوروبا تنكرت للحرب منذ الطلقة الأولى، وكان لسانها يردد بصراحة "هذه ليست حربنا"، وبالتالي حرّمت على الرئيس الأميركي تشكيل تحالف دولي يسنده عسكرياً، ويعطيه شرعية ويعزل إيران. ويرى خبراء أوروبيون أن من المبكر إصدار أحكام حول أسباب قرار ترامب وقف الحرب، من دون تحقيق الأهداف التي أعلنها في البداية وعلى رأسها إسقاط النظام والسيطرة على النفط الإيراني، ولكن هناك دوراً أساسياً في تمنّع أوروبا عن مشاركته الحرب حسب المخطط الذي وضعه لها. في الأحوال كافة، ستتجه أوروبا نحو تعزيز الاستقلال الدفاعي وتطوير مشروع الجيش الأوروبي الذي تشكله، أساسه قوات فرنسية، على أساس استراتيجية استقلالية للاتحاد الأوروبي من الناحية العسكرية، في ظل عدم الاستقرار المحيط بالقارة الأوروبية، وشعورها بالحاجة لمواجهة التغيرات الإقليمية والعالمية، ومهددات أمنها القومي، والاعتماد على الذات، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، في ظل قيادة ترامب، الذي رفع شعار "أميركا أولاً".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية