عربي
بجملةٍ قالها الثلاثاء الماضي خلال مؤتمره الصحافي المشترك في باريس مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بُعداً سياسياً رسمياً لنقاش يجرى تداوله منذ أشهر في الأروقة الدبلوماسية والدفاعية بين باريس وبيروت، إذ قال: "إذا كانت تلك رغبة لبنان، فإن فرنسا مستعدة لمواصلة التزامها على الأرض بعد الانسحاب المقرّر لقوّة يونيفيل نهاية هذا العام، إلى جانب شركائها الأكثر تحركاً (في هذا الملف)، وضمن إطار سيتعيّن علينا تحديده معاً". على أن النقطة الأكثر إثارة للتساؤل في تصريحه لا تكمن في الإعلان عن استعداد باريس للبقاء بقدر ما تتعلّق بغياب "الإطار" الممكن له. ففرنسا لم تُخفِ يوماً رغبتها في أن تظل فاعلاً بارزاً ضمن المشهد اللبناني، لكن يبدو أنها لا تملك حتى الآن تصوّراً متكاملاً لمرحلة ما بعد "يونيفيل" ولا إجابات عن أسئلةٍ مثل: مَن يمنحها الشرعية لتحرُّك مثل هذا؟ ومَن يشاركها الحضور على الأرض؟ وكيف سيكون موقف الولايات المتحدة وإسرائيل من حضورها الممكن، وحضور "شركاء" آخرين، في الجنوب؟
ما بعد "يونيفيل"
في أغسطس/آب الماضي، صوّت مجلس الأمن على تمديد مهمة "يونيفيل" "للمرة الأخيرة"، على أن يبدأ انسحاب القوات المنضوية تحتها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026 ويكتمل بحلول نهاية 2027. لم يكن هذا القرار خيار فرنسا الأول، فهي نادت بتمديد مهمّة البعثة كما جرت عليه العادة منذ تأسيسها إثر اجتياح إسرائيل لبنان عام 1978. غير أن باريس قبلت بتسوية تؤجّل الانسحاب تحت ضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل التي كانت تطالب بإنهاء "فوري" للمهمّة. وعلى الرغم من أن الدبلوماسية الفرنسية صدّرت هذا التأجيل بوصفه "انتصاراً"، إلا أنه برهن أن القرار النهائي في هذه القضية لا يمرّ من باريس بالضرورة. فالولايات المتحدة لها ثقلها في مجلس الأمن كما في لبنان، وهي تصغي إلى التوجّه الإسرائيلي قبل إعطاء الضوء لأيّ تغيير قد يحصل في جنوب لبنان، خصوصاً أن واشنطن وتل أبيب تنظران إلى "يونيفيل" بوصفها تجربة قاصرة في أحسن الأحوال، إن لم تكن فاشلة. والدليل على ذلك، كما يقول مدافعون عن الموقف الأميركي الإسرائيلي، هو تعاظم دور حزب الله في الجنوب واستمراره بالتسلّح على الرغم من وجود آلاف الجنود الأمميين.
دبلوماسي فرنسي سابق: كان يمكن للأمور أن تسوء أكثر لو لم تكن يونيفيل موجودة في الجنوب
وفي قرار مجلس الأمن نفسه، طُلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس تقديم تصوّرات لمرحلة ما بعد "يونيفيل" بحلول يونيو/حزيران المقبل، لا سيما في ما يتعلق بتقديم الدعم للجيش اللبناني ليعيد انتشاره في الجنوب. غير أنّ الموقف الفرنسي، على الرغم من دعمه المعلَن والجاد للمؤسسة العسكرية اللبنانية، يقوم على شكّ في قدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ الأمني الذي سيخلّفه رحيل القوة الأممية في المدى القصير، حتى ولو قُدمت له مساعدات دولية. وفي هذا السياق، يقول دبلوماسي سابق في الخارجية الفرنسية، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ"العربي الجديد"، إن استبدال "يونيفيل لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، نظراً أولاً إلى أهمّية تعدادها الذي يقارب 8200 جندي، بينهم أكثر من 700 جندي فرنسي، وثانياً بسبب الخبرة الميدانية التي راكمتها على مدى ما يقارب خمسة عقود، فضلاً عن حضورها بوصفها قوة ردع بفضل طابعها الدولي، على الرغم من الانتقادات الموجّهة إلى محدودية فاعليتها. يتناسى البعض أنه كان يمكن للأمور أن تسوء أكثر لو لم تكن يونيفيل موجودة في الجنوب".
وبرز إعلان وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا أن الأمم المتحدة تعمل للإبقاء على حضور لها في لبنان بعد انتهاء مهمة قوات "يونيفيل" نهاية العام الحالي. وقال لاكروا في مؤتمر صحافي في جنيف الخميس الماضي إن مجلس الأمن طلب "خيارات من أجل حضور محتمل للأمم المتحدة ما بعد يونيفيل"، مضيفاً: "علينا رفع هذه التوصيات... قبل الأول من يونيو هذا العام". ولم يقدم تفاصيل حول الخيارات المطروحة، لكنه أشار إلى حضور "أقل حجماً من يونيفيل على الأرجح". وقال لاكروا إن السلطات اللبنانية "ترغب في الإبقاء على وجود للأمم المتحدة"، لكن "ليس بالضرورة مماثلاً لوجود يونيفيل". ولفت إلى رغبة بيروت في الحفاظ "خصوصاً على الأدوار في مجال المراقبة والإبلاغ والتنسيق وفض الاشتباك" وإزالة الألغام. وأضاف: "لقد تشاورنا أيضاً، بطبيعة الحال، مع أطراف أخرى، إسرائيل ودول أخرى"، مشيراً إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار "ما يمكن للشركاء الثنائيين القيام به من جهة تقديم دعم إضافي للقوات المسلحة اللبنانية، وللشرطة التي لديها أيضاً احتياجات كبيرة في القدرات، وكذلك من ناحية المساعدات الإنسانية". وقال إنه بشكل أعم "يجب أن يأخذ الحل الدائم للمشكلة في الاعتبار الاحتياجات الأمنية للبنان وإسرائيل".
خيارات فرنسا
من جهته، يرى الباحث والمدير المساعد في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس ديدييه بيّون أن السؤال الجوهري حول الحضور الفرنسي بعد رحيل "يونيفيل" ليس عسكرياً، بل قانوني وسياسي. ويقول في حديث إلى "العربي الجديد" إن "يونيفيل، مهما اختلفنا حول فاعليتها، تمتلك تفويضاً أممياً. وأيّ قوة بديلة لا تستند إلى غطاء مماثل ستدخل، وفق تقديري، في منطقة رمادية تمسّ شرعيتها وتُضعف ما تبقى من قواعد القانون الدولي".
ويضيف بيّون أن ما تطرحه باريس يذكّره بما سُمّي بـ"تحالف المتطوعين" مع أوكرانيا، وهو عبارة عن شبكة دعم عسكري وسياسي وإنساني جرى تشكيلها ربيع العام الماضي، وتضمّ أكثر من 30 دولة من بينها أعضاء في الاتحاد الأوروبي وآخرون من حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى جانب بلدان غير أوروبية مثل كندا واليابان. ويتمثّل الدعم في أشكال عديدة، من بينها التنسيق العسكري، والدعم اللوجستي، والتدريب، وإزالة الألغام، وحماية السماء الأوكرانية، مع إمكانية نشر قوات على الأرض فقط في حال التوصل إلى اتفاق وقف دائم لإطلاق النار مع روسيا. لكنّ بيّون يذكّر بأن الإطار القانوني لهذا التحالف هشّ، خصوصاً أنه "يتحرّك خارج الأطر الدولية التقليدية ومن دون تفويض صادر عن الأمم المتحدة". وبرأيه، فإن إعادة إنتاج هذه التجربة في لبنان "تعني انتقالاً من الشرعية الدولية إلى منطق تقوم وفقه بعض الدول بتفويض نفسها بالتدخّل في قضايا بلدان أخرى"، وهو ما يصفه بـ"الخطير من وجهة النظر القانونية". كما أنه يطرح، عملياً، أسئلة لا يبدو أن باريس وشركاءها يملكون إجابات موحّدة عليها، مثل سؤال التمويل، وقواعد الاشتباك، ناهيك عن إقناع الولايات المتحدة وإسرائيل بشرعية وجود قوّة كهذه في جنوب لبنان.
ديدييه بيّون: يونيفيل تمتلك تفويضاً أممياً، وأيّ قوة بديلة لا تستند إلى غطاء مماثل ستدخل في منطقة رمادية تمسّ شرعيتها
وإلى جانب هذا النموذج، يجرى الحديث في الأروقة الدبلوماسية الفرنسية عن "فكرة قوّة أوروبية" تقودها دول من الاتحاد الأوروبي مشاركة في "يونيفيل"، على رأسها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. وسبق لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن تساءل علناً، في مارس/آذار الماضي، عما إذا كان الوجود العسكري المرجوّ لبلده في لبنان بعد رحيل "يونيفيل" سينضوي "في إطار الأمم المتحدة أو في إطار الاتحاد الأوروبي"، وهو ما يشير إلى أن نقاش هذه الفكرة قائم حتى على أعلى المستويات السياسية في أوروبا.
غير أنّ ديدييه بيّون يستبعد أن يشكّل الاتحاد الأوروبي، بوصفه مؤسّسة، مخرجاً واقعياً أو قانونياً متيناً، إذ "تتطلب قرارات السياسة الخارجية الأوروبية إجماع الدول الأعضاء، وهو أمر شبه مستحيل في ما يخص السياق اللبناني، في ظل تباين مواقف العواصم الأوروبية حيال إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة". ويستطرد: "حتى في حال توافق عدد من الدول على التحرك، فإن ذلك سيبقى مبادرة تقودها دول أوروبية لا الاتحاد الأوروبي نفسه، ومن دون أن يرقى ذلك إلى مرتبة تفويض دولي مماثل لغطاء الأمم المتحدة". ما يعني أن فرنسا تجد نفسها، مع هذا الاحتمال، أمام معضلة إضافية: فهي تبدو غير راغبة بالعمل بشكل فردي والبقاء وحدها في جنوب لبنان، لكنّ جمع شركاء أوروبيين تحت راية واحدة يبقى أمراً غير مضمون.
أمّا ثالث السيناريوهات الممكنة، فيتمثل في وجود عسكري يأتي بناءً على طلب رسمي من السلطات اللبنانية أو وفق معاهدة دفاع كتلك التي تجمع فرنسا بدول في الخليج وتسمح لها ببناء قواعد فيها. وهذا قد يكون، بحسب بيّون، الاحتمال الأكثر متانة على الصعيد القانوني، لأنه يستند إلى طلب صريح من الدولة المضيفة، لكنه يبقى الاحتمال الأقلّ قابلية للتحقق على الصعيد السياسي ونظراً إلى الوضع على الأرض. ويوضح الباحث الفرنسي: "يحق لدولة ما الاستنجاد بدولة أو دول أخرى. لكن يجب أن تكون هي من يبادر، لا أن تُفرض المبادرة عليها من الخارج. كما أن هذا يفترض، في السياق اللبناني، إجماعاً وموقفاً موحداً للفاعلين في البلد، وهو ما يصعب تخيّله اليوم بسبب الانقسام المعروف في لبنان".
وما يزيد المشهد تعقيداً أن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام نفسه ذكّر، خلال المؤتمر الصحافي مع ماكرون يوم الثلاثاء الماضي، بضرورة أن يجرى أي ترتيب مقبل تحت مظلة الأمم المتحدة، وهو طلبٌ يُضيّق هامش الخيارات الأوروبية ويُعيد المسألة إلى نقطة البداية، لأن البناء على هذا الشرط قد يصطدم بعقبة مهمة تتمثل برفض الولايات المتحدة وإسرائيل عودة "يونيفيل" تحت مسمّى آخر. ما يعني أن أيّ مقترح يبحث عن غطاء أممي عليه أن يُقنع الولايات المتّحدة وإسرائيل قبل غيرهما، وإلّا فإنه قد يكون تحت طائلة الفيتو الأميركي في مجلس الأمن. فضلاً عن ذلك، فإن أيّ قوة دولية في جنوب لبنان عليها أن "تحل المعادلة الأصعب"، بحسب تعبير بيّون، والمتمثلة بموقف حزب الله من هذا الملف. وبرأيه فإن "حزب الله لن يقبل بنزع سلاحه لأنه يعتبر التخلي عنه تهديداً وجودياً، فكيف تعمل قوة دولية في بيئة يرفض فيها أبرز الفاعلين المسلحين وجودها؟ هذا ليس سؤالاً نظرياً، بل هو العقبة العملية الأولى أمام أي نقاش عن مظلات وصيغ لما بعد يونيفيل".

أخبار ذات صلة.
الجزائر تعود إلى الاقتراض الخارجي
العربي الجديد
منذ 41 دقيقة