عربي
في خطوة رمزية تتجاوز الوفاء لمعلّمه الأول مؤسس أجهزة الاستخبارات السوفييتية، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الأربعاء الماضي، مرسوماً قضى بإعادة إطلاق اسم فيليكس ديرجينسكي، المسؤول عن حملة "القمع الأحمر" التي تعرضت لها الشعوب السوفييتية بعد نجاح الثورة البلشفية في عام 1917، على أكاديمية جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وبحسب المرسوم الذي نشره الكرملين، فإنّ اختيار فيليكس ديرجينسكي اسماً فخرياً على الأكاديمية المعنية بتحضير كوادر الاستخبارات الروسية، جاء بسبب "مساهمة ديرجينسكي البارزة في ضمان الأمن القومي"، ونظراً لجهود كوادر الأكاديمية في إعداد كوادر مهنيين لأجهزة الأمن الروسية.
فيليكس ديرجينسكي... "الثوري" المتشدد
وتعيد هذه الخطوة اسماً كانت تحمله المؤسسة بين عامي 1962 و1992، حين كانت تُعرف باسم "المدرسة العليا التابعة لجهاز الاستخبارات السوفييتية المسماة فيليكس إدموندوفيتش ديرجينسكي"، تكريماً للثوري المتشدد الذي قاد أجهزة الشرطة السرّية السوفييتية حتى وفاته في عام 1926. وفي ظلّ حملة ضخمة لإزاحة الإرث السوفييتي، شطب اسم فيليكس ديرجينسكي من تسمية المدرسة التي تحولت لاحقاً إلى أكاديمية.
ويستكمل المرسوم خطوات سابقة لإعادة الاعتبار لديرجينسكي. ففي سبتمبر/أيلول 2023، احتفل جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية بذكرى ميلاد ديرجينسكي، بنصب نسخة طبق الأصل بالطول والمواصفات، في مقر الجهاز في موسكو، للتمثال الذي أسقطه المتظاهرون في ساحة لوبيانكا وسط العاصمة الروسية موسكو، بعد انقلاب فاشل في أغسطس/آب 1991، وأصبحت مقاطع إسقاطه من أهم مقاطع الفيديو التي توثق انهيار الاتحاد السوفييتي.
وينسجم مرسوم بوتين لإعادة الاعتبار لرمز سوفييتي، مع أفكار الرئيس الروسي وتصريحاته التي ترى في انهيار الاتحاد السوفييتي "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين". واللافت أنه جاء بعد شهرين على قرار السلطات الروسية تغيير اسم متحف تاريخ الغولاغ في موسكو، ليصبح "متحف الذاكرة" ويُخصّص لضحايا "إبادة الشعب السوفييتي"، وسيغطي "جميع مراحل جرائم الحرب النازية خلال الحرب الوطنية العظمى"، مع إسقاط جرائم ديرجينسكي ولاحقاً الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين بحق المواطنين السوفييت.
تزداد أعداد التماثيل والنصب التذكارية لمؤسس الشرطة السرّية السوفييتية، ديرجينسكي، في ساحات المدن والمدارس في روسيا
وبعد نحو 35 عاماً على انهيار الاتحاد السوفييتي، وعلى خلفية الحديث عن "حرب وجودية" مع الغرب، والتضييق على "الخونة والعملاء" من رافضي الحرب على أوكرانيا، ومروجي الأفكار الغربية، تزداد أعداد التماثيل والنصب التذكارية لمؤسس الشرطة السرّية السوفييتية، ديرجينسكي، في ساحات المدن والمدارس في روسيا. وفي العام الماضي، وتزامناً مع الذكرى السنوية لميلاده (11 سبتمبر/ أيلول 1877)، أزيح الستار عن عدد من التماثيل له في مدن روسية عدة، منها تمثال نصفي في باحة مدرسة في مدينة سيفيرودنيتسك في مقاطعة لوغانسك التي احتلتها روسيا من أوكرانيا، وسميت المدرسة باسمه. وفي مدينة نيجني تاغيل في مقاطعة سفيردلوفسك في منطقة الأورال، قرّرت السلطات بناء تمثال نصفي لرجل الاستخبارات الشهير في حديقة متحف المدينة بجوار مقاعد الزوار في شرفة الحديقة. كما عاد تمثال ديرجينسكي إلى وسط مدينة فلاديفستوك في أقصى شرق روسيا بعد غياب دام أكثر من 24 عاماً. ولم تتخلف مدينة أومسك في سيبيريا عن الركب، واحتفل مسؤولو المدينة بافتتاح تمثال جديد له.
وكحال معظم المشاركين في ثورة 1917، أطلقت السلطات السوفييتية اسم فيليكس ديرجينسكي على مئات الشوارع والساحات ومحطات المترو والمدارس والجامعات. وبحسب البيانات الرسمية، حمل 1342 شارعاً وساحة اسمه حتى عام 2013. وما زالت بلدات ومناطق في روسيا وبيلاروسيا تحمل اسم ديرجينسكي، لكن أوكرانيا عملت منذ سنوات على إزالة اسمه عن المدن والقرى والساحات وأعادت تسميتها. ولا توجد إحصاءات رسمية جديدة عن عدد تماثيل ديرجينسكي، لكن دراسة لموقع "ياندكس" في خريف 2018، أفادت بوجود أكثر من 40 تمثالاً له، وحلّ في المرتبة السادسة متقدماً على عدد تماثيل وزير الدفاع السوفييتي السابق الذي قاد الجيش الأحمر في الحرب العالمية الثانية، المارشال غيورغي جوكوف، والفيلسوف الألماني كارل ماركس.
لجنة الطوارئ
وكان أشهر نصب تذكاري لديرجينسكي في روسيا، قائماً خارج مقر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي في ساحة لوبيانكا، من عام 1985 حتى 22 أغسطس/ آب 1991، حين هُدم بناءً على طلب سكان موسكو بعد محاولة انقلاب فاشلة. نُقل التمثال إلى حديقة موزيون للفنون. وتكررت الدعوات إلى إعادة النصب التذكاري إلى ساحة لوبيانكا في السنوات التالية، وفي عام 2015، جمع الحزب الشيوعي الروسي 150 ألف توقيع لدعم إجراء استفتاء بين سكّان موسكو بشأن إعادة التمثال إلى مكانه الأصلي.
ونُظِّمَ تصويتٌ على إقامة تمثالٍ إما لفيليكس ديرجينسكي أو للأمير ألكسندر نيفسكي في ساحة لوبيانكا بموسكو في فبراير/ شباط 2021. وأوقف العمدة سيرغي سوبيانين الاستفتاء في اليوم الثاني من التصويت، قائلاً إنه يتحول إلى "مواجهة بين أصحاب الآراء المختلفة". وفي العام الماضي، طلب زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف من بوتين إعادة تمثال "فيليكس الحديدي" إلى ساحة لوبيانكا. وفي اجتماع بين بوتين ورؤساء الأحزاب البرلمانية، قال زيوغانوف إن الشعب يطلب النظر في إعادة تمثال فيليكس ديرجينسكي.
بوتين مقتنع بأن "لجنة الطوارئ" التي أسّسها ديرجينسكي بعد الثورة الشيوعية، مارست دوراً في منع استخبارات العدو من الوصول إلى معلومات حسّاسة
ولا يمانع بوتين، الذي وصل إلى الحكم آتياً من عالم الأجهزة الأمنية، عودة تمثال "المعلم الأول" إلى كل أجهزة الاستخبارات السوفييتية ولاحقاً الروسية، خصوصاً في ظلّ المواجهة مع الغرب وزيادة القناعة لدى الروس بأن "لجنة الطوارئ" التي أسّسها ديرجينسكي بعد الثورة الشيوعية، مارست دوراً في منع استخبارات العدو من الوصول إلى معلومات حسّاسة تمسّ أمن الاتحاد السوفييتي، مقابل تراجع المقتنعين بأن اللجنة مارست أعمال القمع والإرهاب السياسي ضد المعارضين.
وأسّس ديرجينسكي، الملقب بـ"فيليكس الحديدي"، لجنة الطوارئ، وهي قوة الشرطة السرّية السوفييتية المبكرة المعروفة باسم "تشيكا". ويتهم ديرجينسكي، المولود في بولندا، بإصدار أوامر لإعدام مئات الآلاف من المواطنين خلال الحرب الأهلية الروسية (1917-1922) عقب الثورة البلشفية، وهي الحملة المعروفة باسم "الإرهاب الأحمر"، ونظراً لنهجه الدموي كان أحد أبرز الشخصيات السوفييتية التاريخية التي أُعيد تقييم إرثها أثناء موجة محاربة إرث الشيوعية في تسعينيات القرن الماضي.
و"لجنة الطوارئ"، واسمها الكامل "لجنة الطوارئ في عموم روسيا"، وأسّسها ديرجينسكي الملقّب بـ"فارس السيف والترس"، في عام 1922 (تجسد في شعار جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الحالي)، وهو الأب الحقيقي لأجهزة الأمن السوفييتية ولاحقاً الروسية. وعملت اللجنة من أجل نشر أفكار الثورة البلشفية بقوة السلاح بين المتحمسين للثورة، ولاحقاً تحولت إلى "المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية" المتهمة بتهجير ملايين الروس في عهد الزعيم جوزيف ستالين إلى معسكرات العمل الإجباري في سيبيريا.

أخبار ذات صلة.
الجزائر تعود إلى الاقتراض الخارجي
العربي الجديد
منذ 41 دقيقة