عربي
اعتصام ساحة يوسف العظمة (المحافظة) في 17 إبريل/ نيسان الحالي بدمشق الثاني في المدينة، بدعوة ومبادرة من شخصيات سياسية وثقافية. كان الأول احتجاجاً على قرار محافظ العاصمة المتعلّق بتنظيم بيع المشروبات الروحية، الأمر الذي نظر إليه تدخّلاً سلبياً من الدولة للحدّ من الحرّيات الشخصية. والثاني رفع 15 مطلباً، بعضها سياسي يتعلّق بتوسيع المشاركة، والآخر يتركّز على شؤون معيشية خاصّة بأسعار المواد الأساسية والخدمات في ظلّ تفاقم الضغوط الاقتصادية، وبتراجع القدرة على تحمّل الأعباء اليومية، لدى شرائح واسعة من السوريين.
وفي الحالَتين، لم تُبدِ السلطة ردّة فعل سلبية عنيفة، بل نشرت قوات من الأمن العام لحماية المعتصمين، ومنعت مجموعات محسوبة على الموالاة من تخريب الحدث الثاني. حدثت اعتداءات على بعض المشاركين، ورفعت شعارات، وأطلقت حملات في وسائل التواصل هدفت إلى تشويه الحراك ونسبته إلى فلول النظام السابق، رغم أنّ الوجوه البارزة فيه كانت لشخصيات معارضة، وبعضها أمضى أعواماً طويلةً في سجون الأسدَين. وهنا لا بد من تسجيل نقطة في صالح قوات الأمن التي لم تقمع المشاركين، كما كان يحصل في عهد النظام السابق، بل فصلت بين المشاركين والمظاهرة المضادّة. ويعكس ترك هذا الهامش نهج السلطة في إدارة الاحتجاج من طريق ضبطه، وإبقائه تحت السيطرة لا قمعه.
لا تؤشّر الاعتصامات إلى تحوّل نوعي في المشهد العام، ولا يمكن تحميلها أكثر ممّا تحتمل على المستوى السياسي، فمهما كانت ارتداداتها، تظلّ من دون مفعول كبير، لأنّها تحصل في حيّز ضيّق وبتحريك من نُخب ليس لديها رصيد جماهيري كبير، ومن المرجّح أن تبقى تحرّكات كهذه، في المدى المنظور، محدودةً ومضبوطة، لكنّها تؤشّر إلى مسألتَين: الأولى، أنّ المعارضة السياسية ضعيفة ومشتّتة، ولم تتمكن، بعد عام ونصف العام على سقوط نظام الأسد، من تنظيم صفوفها لتقدّم نفسها في الشارع قوةً صاحبة دور في التغيير وبناء المستقبل. وهناك تبرير للوضع على أساس أنّ السلطة حلّت الأحزاب كافّة، والجميع بانتظار صدور قانون الأحزاب من مجلس الشعب المرتقب، كي ينشط بصورة رسمية. وهذا صحيح من الناحية النظرية، بقدر ما يعكس حالة عجز سياسي، سببه الوهن الذي وصلت إليه المعارضة بسبب القمع الأسدي الرهيب. والمسألة الثانية التي تلفت الانتباه هي بدايات استقطاب اجتماعي، من شأنه أن يتطوّر إلى حراك واسع، يتغذّى من سوء الوضع المعيشي، وأداء أجهزة الدولة غير المرضي، وهي أجهزة تقوم على الولاء، لا على الكفاءة. ذلك أنّ تركيز الاحتجاجات حول مطالب معيشية، يعكس وجود مستوى متقدّم من الاحتقان، لم يعد محصوراً في التذمّر الصامت، وقد عكست وسائل التواصل حالة تعاطف منظورة داخل شرائح اجتماعية واسعة، سيّما أنّ الأغلبية العظمى من السوريين تعيش تحت خطّ الفقر، ولم تشهد تحسّناً ملحوظاً في الوضع الاقتصادي. وفي حال عدم ظهور أفق قريب، قد تتكرّر الاحتجاجات بأشكال مختلفة.
يحصل هذا في وقت تواجه الدولة الجديدة أحوالاً اقتصاديةً صعبةً سببها محدودية الموارد، وعجلة إنتاج شبه معطَّلة، وبلد يعاني دماراً كبيراً في البنية التحتية، وفي خدمات الصحّة والتعليم، وحالة بطالة وهجرة كبيرة، بالإضافة إلى أوضاع أمنية معقّدة تتمثّل في التهديدات من قوى انفصالية في الجنوب والشرق، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وفلول النظام السابق، وكذلك عمليات التوغّل والاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة داخل الأراضي السورية. غير أنّ هذا لا يبرّر للسلطة أن تغفل عن الاحتقان، ما يلقي على عاتقها مسؤولية ابتكار آليات سياسية واقتصادية لتخفيف الضغط، من خلال فتح حوار سياسي واجتماعي حقيقي، يشخّص الأزمات ويضع الحلول والأساليب الناجعة لمواجهتها.
