عربي
مرّت أسابيع منذ إعلان "لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة" (لجنة إزالة التمكين) مزاولة أعمالها. جاء الإعلان في 17 مارس/ آذار الماضي، وسط سياق سياسي مرتبك، وانقسام واقعي في ما تبقّى من السودان بين سلطتَين.
في ديسمبر/ كانون الأول 2019، أقرّت السلطة الانتقالية قانون تفكيك نظام الرئيس السابق عمر البشير استناداً إلى الوثيقة الدستورية التي نصّت على تفكيك بنية النظام ومحاسبة رموزه. كان ذلك أحد المطالب الرئيسة للمتظاهرين المطالبين بالحرّية والديمقراطية، وكان كذلك أمراً منطقياً. فبعد 30 عاماً من الحكم القمعي والسيطرة الكاملة والمنفردة على السياسة وموارد البلاد واقتصادها، لم يكن من الممكن بناء نظام جديد من دون تفكيك شبكات نفوذ ومصالح المجموعات المكوِّنة للنظام الساقط. وبموجب هذا القانون، شُكِّلت لجنةٌ بصلاحيات واسعة، ضمّت ممثّلين عن مؤسّسات الدولة وقوى الحرية والتغيير، وترأّسها أحد قادة المجلس العسكري الذي وقّع اتفاق الشراكة مع الأحزاب المدنية. كانت للجنة سلطات تشمل مصادرة الأموال، وحلّ الكيانات، وإنهاء الخدمة، واسترداد الأصول.
خلال عامَين، تحوّلت اللجنة إلى أكثر مؤسّسات الفترة الانتقالية إثارةً للجدل. أصدرت قرارات بمصادرة شركات وأراضٍ وإبعاد آلاف الموظّفين بتهمة التمكين السياسي. وعلى الرغم ممّا ينصّ عليه القانون، لم تكن هناك آلية للاستئناف ضدّ قرارات اللجنة. لذلك، اعتبرها خصومها لجنة سياسية تتجاوز القضاء وتعاقب بقرارات إدارية لا تستوفي ضمانات المحاكمة العادلة، بينما دافع عنها مؤيّدوها بأنّها أداة مهمّة وضرورية لتفكيك دولة موازية بناها نظام البشير طوال ثلاثة عقود.
في 25 أكتوبر/تشرين الأول (2021)، ومع انقلاب قائد الجيش وقائد قوات الدعم السريع على الحكومة الانتقالية، جمّد البيان الأول للانقلاب عمل "لجنة إزالة التمكين" فوراً، بينما كان جنود الجيش و"الدعم السريع" يطلقون الرصاص على المحتجّين في الشوارع. كان تجميد اللجنة القرار الوحيد الذي نُفّذ، ثم عادت الأموال المصادرة كلّها إلى رموز نظام البشير، بل حصل بعضهم على تعويضات لأنّهم فُصلوا من العمل. تحمّلت قوى الحرية والتغيير اللوم على أداء اللجنة، وتعرّض أفرادها المدنيون للاعتقال والاتهامات الجنائية. أمّا ممثّلو الأجهزة الأمنية والعدلية والقائد العسكري الذي ترأّس اللجنة حتى ما قبل الانقلاب، فلم يذكرهم أحد، وذلك منطقي لأنّ تفكيك نظام البشير أمر لا يعني أحداً إلا القوى المدنية. لذلك كان إيقاف اللجنة هو أهم قرارات الانقلاب، لحساسيتها وتأثيرها المباشر في مراكز النفوذ.
تنتمي اللجنة إلى نماذج العدالة الانتقالية، وهي نماذج متعدّدة، أشهرها ما حدث في جنوب أفريقيا عبر لجنة الحقيقة والمصالحة: الإقرار بالذنب مقابل العفو، بهدف كشف الحقيقة ومنع تكرار الجرائم من دون تدمير مؤسّسات الدولة. تلك تجربة قامت على التصالح والإدماج بإشراف قضائي وبرؤية أخلاقية واضحة، بينما هناك نماذج أخرى مثل "لجان التطهير" التي أُنشئت في أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية، وهدفت إلى تطهير أجهزة الدولة من المتعاونين مع جهاز الأمن. هذه تجارب تجاوزت القضاء ولقيت ردّات فعل متفاوتة. وكانت للسودان تجارب مشابهة بعد ثورة أكتوبر (1964) وثورة إبريل (1985)، وكلّها لجان قوبلت بانتقادات بسبب التسييس وغياب ضمانات العدالة.
لكن "لجنة إزالة التمكين" لم تلجأ إلى المصالحة والإدماج، وعجزت عن تحقيق هدفها بالقرارات الإدارية، ربّما لأنّها نشأت في وسطٍ معادٍ لها. فهي اعتمدت على الدولة لتطهّر الدولة، والفاعلون في اللجنة غرباء عن جهاز الدولة. لذلك عندما وقع انقلاب 25 أكتوبر (2021) انهارت الشبكة التنفيذية التي قامت عليها اللجنة، وفقدت في لحظة جهاز الشرطة والأجهزة التي تعمل معها كافّة، من دون مقاومة مؤسّسية تُذكر.
في التجارب الأقرب إلى النجاح، اعتمدت اللجان المشابهة على دولة موحّدة بمؤسّسات عدلية راغبة وقادرة على التحوّل الديمقراطي وبحماية جماهيرية، وهو ما لم يكن حال هذه اللجنة. لذلك يبدو من الغريب أن تحاول مرّة أخرى العودة إلى العمل بعد أن زالت عملياً الوثيقة الدستورية التي تعطيها شرعيتها، وفقدت معاونة أجهزة الدولة، بل انقسمت الدولة ذاتها بين سلطتَين.
بعد نحو خمسة أسابيع من إعلان عودة اللجنة، تبدو عودتها مناورةً سياسيةً، قد لا يكون لها أيّ أثر لاحق، وإنّما مجرّد صرخة غضب من قوى مدنية ترى البلاد تتقاسمها البنادق فوق أجساد المواطنين، فلا تملك إلا بادرةً رمزيةً.
