عربي
أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية الليبية وقف تصدير الأسماك والمنتجات الزراعية لمدة ثلاثة أشهر، في خطوة تستهدف احتواء موجة ارتفاع الأسعار في السوق المحلية وضمان توجيه الإمدادات نحو المستهلكين، وسط ضغوط متزايدة على تكاليف المعيشة، مع انعكاس الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز على إمدادات الوقود وأسعار الشحن وتكاليف الإنتاج.
ويأتي القرار في ظل قفزة لافتة في أسعار السلع الزراعية، حيث ارتفع سعر الطماطم من نحو ثلاثة دنانير للكيلوغرام إلى قرابة 9.5 دنانير (سعر الصرف 6.39 دنانير للدولار)، فيما شهدت سلع أخرى مثل الخيار والبصل زيادات متفاوتة. كما امتدت موجة الغلاء إلى سوق الأسماك، التي تُعد بديلاً غذائياً مهماً، إذ سجلت أسعارها ارتفاعات حادة خلال الأسابيع الأخيرة.
يرى المحلل الاقتصادي علي بن الطاهر أن الارتفاع الحالي هو نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها زيادة تكاليف النقل والوقود، وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، إلى جانب اختناقات في سلاسل التوريد. ويضيف أن استمرار تصدير جزء من الإنتاج المحلي في ظل محدودية المعروض داخلياً ساهم في تعميق الفجوة بين العرض والطلب.
ويقول بن الطاهر لـ"العربي الجديد" إن قرار الحظر قد يوفر "متنفّساً مؤقتاً" للسوق، عبر زيادة الكميات المتاحة محلياً، لكنه يظل إجراءً قصير الأجل ما لم يُدعّم بإصلاحات هيكلية تشمل دعم الإنتاج وتحسين كفاءة التوزيع. ويحذر من أن غياب آليات واضحة لتعويض المصدرين قد يدفع بعضهم إلى تقليص الإنتاج أو اللجوء إلى قنوات غير رسمية.
في قطاع الصيد البحري، يربط صيادون ارتفاع الأسعار بشكل مباشر بتزايد تكاليف التشغيل، خصوصاً الوقود وصيانة القوارب وقطع الغيار.
ويقول الصياد علي عريبي لـ "العربي الجديد" إن رحلات الصيد أصبحت أكثر كلفة وأقل ربحية، ما دفع عدداً من القوارب إلى تقليص نشاطها أو التوقف مؤقتاً، وهو ما انعكس على الكميات المعروضة في الأسواق. كما يشير إلى تحديات إضافية، مثل اضطراب الأحوال الجوية في بعض الفترات، وضعف البنية التحتية لمرافئ الصيد، وغياب منظومة تبريد وتخزين فعالة، ما يؤدي إلى فاقد في الإنتاج ويدفع الأسعار إلى الارتفاع. ويرى الصياد محمود الشبلي أن أي إجراءات لكبح الأسعار يجب أن تشمل دعماً مباشراً للصيادين، وليس الاكتفاء بالتحكم في جانب التصدير.
من جهتهم، يبدي مزارعون ومصدرون قلقهم من أن يؤدي الحظر إلى فقدان أسواق خارجية تم بناؤها خلال سنوات، خاصة في ظل منافسة إقليمية. وتعتمد ليبيا بدرجة كبيرة على الخارج لتأمين السلع الأساسية، إذ تستورد أكثر من 90% من الحبوب، بما يقارب 3.2 ملايين طن سنوياً، في وقت تبقى فيه البلاد معتمدة على الأسواق الخارجية لتوفير جزء مهم من احتياجاتها الغذائية.
ويشرح تاجر الجملة للمواد الغذائية، مسعود النابلي، لـ"العربي الجديد" أن حركة السوق تشهد حالة "ترقب"، موضحاً أن بعض المستوردين يراقبون تكاليف الشحن وأسعار الدولار، قبل إبرام صفقات جديدة. وأضاف أن التجار يركزون حالياً على توفير السلع الأساسية مثل الأرز والزيت والطحين والسكر، في حين يتراجع الطلب على السلع غير الضرورية في ظل حالة عدم اليقين.
ويؤكد المزارع عبد السميع الترهوني لـ"العربي الجديد" أن الحل لا يكمن في تقييد التصدير فقط، بل في معالجة جذور المشكلة، عبر توفير مدخلات إنتاج بأسعار مناسبة، وتحسين شبكات النقل والتوزيع، والحد من الفاقد. في المقابل، ترى وزارة الاقتصاد أن الإجراء ضروري في هذه المرحلة لضبط السوق، مؤكدة أن فترة الثلاثة أشهر ستُستغل لوضع آلية تنسيق مع وزارة الزراعة والثروة الحيوانية توازن بين تلبية الطلب المحلي والحفاظ على فرص التصدير مستقبلاً.
ويقول المحلل الاقتصادي جمعة المنتصر بالله لـ"العربي الجديد" إن القرار يمثل اختباراً لقدرة السياسات الحكومية على تحقيق توازن دقيق بين حماية المستهلك واستدامة الإنتاج. فبينما قد يساهم وقف التصدير في تهدئة الأسعار على المدى القريب، يلفت إلى أن التحدي الأكبر يبقى في بناء منظومة إنتاج وتوزيع أكثر كفاءة، تقلل من حساسية السوق للصدمات وتحد من التقلبات الحادة في الأسعار.
