عربي
واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي قصف عدد كبير من قرى وبلدات جنوبي لبنان بمادة الفوسفور الأبيض الحارقة والسامّة، في خرق آخر فاضح للمواثيق الدولية، قد يرقى إلى جرائم حرب، مع ما تحمله هذه المادة الكيميائية من تداعيات خطيرة على صحة اللبنانيين والبيئة والزراعة والموارد الطبيعية.
برز الحديث عن قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 48 قرية وبلدة في جنوب لبنان بمادة الفوسفور الأبيض الحارقة منذ تجدد العدوان في الثاني من مارس/ آذار الماضي، في انتهاكٍ صارخ للقانون الدولي الإنساني، وفي دلالة على استمرار المجازر الإسرائيلية بحق المدنيين العزّل وكل مقوّمات الحياة في لبنان.
وكشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي استخدم في الثالث من مارس ذخائر الفوسفور الأبيض المقذوفة بالمدفعية فوق منازل في بلدة يُحمر الشقيف، وذكرت المنظمة أنها تحققت من صحة ثماني صور، وحددت مواقعها الجغرافية، وهي تُظهر قذائف الفوسفور الأبيض تنفجر في الهواء فوق منطقة سكنية.
ويؤكد مصدر عسكري، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ"العربي الجديد"، أن "كل البلدات والقرى الجنوبية التي دخلها العدو الإسرائيلي قصفها بالفوسفور الأبيض. لا عدد دقيقاً حتى الساعة، لكنّ العدو لا يستثني أي بلدة، لذلك الحديث عن قصف أكثر من 48 بلدة بالفوسفور الأبيض هو عدد منطقي"، ويقول: "يستخدم جيش الاحتلال الفوسفور الأبيض إما لأغراض حرق الأرض، أو تلويثها، أو تغطية انسحاب عناصره، لكون هذه المادة الكيميائية المؤذية تتسبّب بدخان كثيف، وهي تحجب الرؤية وتواصل الاشتعال حتى تتبخر. كما أن استخدامها يندرج ضمن سياسة الأرض المحروقة، ولا سيّما من خلال حرق المزروعات. وقد سبق للطيران الحربي الإسرائيلي أن رشّ أدوية لحرق الأعشاب".
ويشدّد المصدر العسكري على أن الفوسفور الأبيض يُحصر فقط بالاستخدام العسكري، موضحاً أن جيش الاحتلال يستخدمه بشكل غير قانوني وعشوائي، ويشير إلى أن الجيش اللبناني يبلغ الحكومة بهذه التجاوزات، كي تُبلّغ بدورها الأمم المتحدة، كما أن المؤسسة العسكرية تنبّه السكان عبر منشوراتها التوعوية إلى كيفية التصرف مع هذه المادة الفوسفورية، من خلال طمسها بالرمل وعدم تعريضها للهواء حتى لا تشتعل.
وسبق أن وثّقت "هيومن رايتس ووتش" استخدام الجيش الإسرائيلي للفوسفور الأبيض بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ومايو/ أيار 2024 في القرى الحدودية الواقعة جنوبي لبنان، ما عرّض المدنيين لخطر شديد وساهم في نزوحهم، وأكدت أنّ "البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية هو الصك الوحيد المُلزم قانوناً والمخصّص للأسلحة الحارقة"، مشيرةً إلى أن لبنان طرفٌ في البروتوكول الثالث، بينما إسرائيل ليست كذلك.
وكشفت النائبة في البرلمان اللبناني نجاة صليبا لـ"العربي الجديد"، أن المعطيات المتوفرة من منظمات دولية وتقارير ميدانية تشير بوضوح إلى أن استخدام الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان كان واسع النطاق، ومتكرر، واستُخدم في مناطق مأهولة، ما أدى إلى إصابات بشرية، وأضرار بيئية وزراعية كبيرة، ما يعد خرقاً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم حرب.
وتؤكد صليبا، وهي متخصصة في الكيمياء التحليلية، أن "الفوسفور الأبيض مادة شديدة التفاعل تشتعل فور ملامستها للأوكسجين، ما يؤدي إلى تكوّن أكسيد الفوسفور عند درجات حرارة تتجاوز 800 درجة مئوية. وعند ملامسته للجلد، فإن هذه الحرارة المرتفعة قادرة على إحداث حروق عميقة تصل إلى العظم. وعند استنشاقه، يُسبّب أضراراً خطيرة في الجهاز التنفسي، كما يمكن أن يؤدي إلى أضرار في الأعضاء الداخلية نتيجة سميّته. لذا، فإنّ التعرض للغبار الناتج عن قصف الفوسفور يستدعي إزالة الملابس خارج المنزل، والغسل بالمياه والصابون بشكل مباشر، كما ينبغي مراجعة الطبيب. وبسبب طبيعته الحمضية، يمكن أن يلوّث التربة والمياه ويضرّ بهما، كما أن الحرارة العالية الناتجة عنه قادرة على إشعال حرائق واسعة في المحاصيل الزراعية والغابات، ما يفاقم الأثر البيئي والزراعي".
وتوضح أن "الفوسفور الأبيض ليس محظوراً بالكامل، لكن استخدامه يخضع لقيود صارمة بموجب البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية، الذي يحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد المدنيين أو داخل المناطق المأهولة، خصوصاً عند إطلاقها جوّاً. لذلك، فإنّ استخدامه في مناطق سكنية يُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني".
ونشرت صحيفة "ذا غارديان" تقريراً للمهندس المعماري أحمد بيضون، الذي وثّق ورسم خرائط لما يقارب 250 حالة استخدام للفوسفور الأبيض من قبل القوات الإسرائيلية بين أكتوبر 2023 ونوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وقد وصف هذه الأرقام بأنها تقدير متحفّظ، مبيّناً أن 39% من الاستخدامات وقعت في مناطق سكنية، و17% في أراضٍ زراعية، و44% في مناطق حرجية أو مفتوحة، وأن الهدف من هذا الاستخدام هو حرق الغطاء النباتي لزيادة وضوح الرؤية ومنع الاختباء تحت الأشجار.
وتشير النائبة اللبنانية إلى أنه "لا تتوفر حتى الآن بيانات موثقة عن عدد حالات استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض خلال الحرب الراهنة، كما أن توثيق القصف بالفوسفور الأبيض يُعدّ مهمة صعبة في ظل الواقع الأمني، إذ يصعب إرسال فرق ميدانية إلى المناطق المستهدفة بسبب استمرار الغارات والمخاطر المباشرة. هناك أيضاً نقص في الموارد والدعم من قبل الدولة، ما يحدّ من قدرة جهاتٍ رسمية مثل المجلس الوطني للبحوث العلمية على القيام بعمليات رصد منهجية ومستمرة. وبالتالي، رغم وجود محاولات توثيق من جهات محلية ودولية، إلا أنها تبقى غير مكتملة نتيجة هذه التحديات".
وقدمت وزارة الخارجية اللبنانية شكاوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول الانتهاكات الإسرائيلية، بما فيها استخدام الفوسفور الأبيض، كما يجري توثيق هذه الاعتداءات بالتنسيق مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، وهناك متابعة مباشرة بين وزارتَي البيئة والزراعة لرصد الأثر البيئي، لا سيّما لناحية تلوث التربة، واحتراق الغابات، وخسارة المحاصيل.
وفي يوليو/ تموز 2024، أفاد المجلس الوطني للبحوث العلمية بأنّه وثّق 175 هجوماً استخدم فيها الفوسفور الأبيض منذ أكتوبر 2023 في جنوب لبنان، تسبّب العديد منها بحرائق أثّرت على أكثر من 600 هكتار من الأراضي الزراعية.
ووفق منظمة العفو الدولية، فإنّ الفوسفور الأبيض لا يجوز أن يُصوّب على مناطق سكنية مأهولة أو بنية تحتية مدنية أو بالقرب منها، لأنه من الممكن أن ينتشر الحريق والدخان اللذان يتسبّب بهما. ومنذ أكتوبر 2023، وثَّقت منظمة العفو الدولية تأثير الهجمات الإسرائيلية غير المشروعة على المدنيين والأعيان المدنية، بما في ذلك الآثار الناجمة عن استخدام الفوسفور الأبيض، وعمليات التدمير الهائلة التي قام بها الجيش الإسرائيلي في القرى الحدودية اللبنانية، ما يستدعي التحقيق في كل هذه الهجمات باعتبارها جرائم حرب.
ويوضح رئيس قسم الجراحة في المستشفى اللبناني الإيطالي في صور (جنوب)، إبراهيم فرج أنه في حال كان المُصاب بعيداً، فإنه يتنشق غاز الفوسفور الأبيض والغبار، ويُصاب بسعال شديد قد يصل إلى التهابات قوية ومضاعفات صحية قد تتسبّب بتليّفٍ رئوي. أما إذا كان المصاب قريباً فالمشكلة الأساسية تكمن في الحروق التي لا يمكن أن تكون تحت الدرجة الثالثة، وأغلبها تُصنّف درجة رابعة لأنها حروق كيميائية وحرارية، لذلك تصل فوراً إلى العظام ويتآكل العضل كله، ولا يبقى الطرف العلوي أو السفلي المحروق على شكله، إنما نجد بعض العضل فيما تكون العظام ظاهرة، لا شرايين ولا عصب.
ويوضح فرج لـ"العربي الجديد" قائلاً: "تكون الحروق فظيعة لدرجة أننا عندما نمرّر الضمادة على الجزء المحروق تتفتّت العضلات، وهذا لا نجده في حروق الزيت، أو حروق الحوادث المنزلية. حتى أنّ ثياب المُصاب تلتصق بالحرق، لذلك يعد علاجها معقداً وطويلاً. نتوهم للوهلة الأولى أننا حددنا الإصابة، ولكن دائماً لا يصحّ التقدير، إذ بفعل الحرارة التي يخزّنها الفوسفور الأبيض تحت الجلد، فإنّه يواصل تفاعله".
ويشرح: "أول خطوة علاجية تكمن في غسل الحرق بالمياه، ولكن للأسف أغلب الأحيان لا تكون المياه متوفرة في مكان الإصابة، ولا حتى قطع القماش المبللة. وحتى بعد العلاج والشفاء، تتواصل معاناة المصاب من ضعف في العضلات والأنسجة. لم نستقبل بعد إصابات حروق بالفوسفور الأبيض، لكن جيش الاحتلال استخدمه كثيراً في الحرب السابقة".
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الفوسفور الأبيض مادة كيميائية صلبة شمعية مائلة للصفرة أو عديمة اللون، وقد وصف البعض رائحتها بأنها تشبه رائحة الثوم، تشتعل تلقائياً في الهواء عند درجات حرارة أعلى من 30 درجة مئوية، وتستمر في الاحتراق حتى تتأكسد بالكامل أو حتى يُمنَع عنها الأوكسجين. وغالباً ما تستخدم الجيوش الفوسفور الأبيض لإضاءة ساحات القتال، وتوليد ستار من الدخان، باعتباره مادة حارقة. وتنبّه إلى أنه فور اشتعال الفوسفور الأبيض يكون من الصعب إطفاؤه، ويلتصق بالأسطح مثل الجلد والملابس، فهو مُضرّ للبشر أياً كانت طرق التعرّض له، كما أن الدخان الناتج عن حرق الفوسفور يُضرّ أيضاً بالعينين والجهاز التنفسي، بسبب وجود أحماض الفوسفوريك ومركَّب الفوسفين. ويمكن أن يسبّب الفوسفور الأبيض حروقاً عميقة وشديدة، ويخترق حتى العظام. وبعد التعرّض له، تكون الأولوية لإيقاف عملية الحرق، إذ يمكن أن يشتعل الفوسفور الأبيض من جديد أثناء العلاج الأولي أو بعده نتيجة تعرّضه للأوكسجين.
ووفق ما نشرته المنظمة على موقعها الإلكتروني، قد يتأخر ظهور التأثيرات الجهازية لمدة تصل إلى 24 ساعة بعد التعرّض للفوسفور الأبيض، وفي حالات التعرّض الشديدة، يمكن أن تشمل التأثيرات المتأخرة اضطرابات القلب والأوعية والانهيار القلبي الوعائي، بالإضافة إلى تلف الكلى والكبد وانخفاض مستوى الوعي والغيبوبة. وقد تحدث الوفاة بسبب الصدمة، أو الفشل الكبدي، أو الكلوي، أو تلف الجهاز العصبي المركزي أو عضلة القلب.
