المباني الآيلة للسقوط في تونس... قرارات متعثرة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تعيش عائلات داخل منازل آيلة للسقوط في أحياء قديمة في مناطق عدّة بتونس، وهي تعلم أنّه لا أمان تحت أسقف مهدّدة، لكن لا خيار لها؛ لأنّ المنازل باتت باهظة التكلفة. داخل أحياء تونس العتيقة التي توجد في مناطق عدة، وداخل شوارع قد لا يتذكّر أحد متى شهدت أعمال ترميم تقف مبانٍ متداعية كأنها تؤجّل سقوطها في ظل تآكل أجزاء منها يوماً بعد آخر. جدران متشققة وأسقف مهددة بالانهيار لكن أشخاصاً لا يزالون يفتحون أبوابها كل صباح على حياة محفوفة بالخطر. وهم يواجهون الخوف في كل لحظة من دون أن تتوفر أسقف بديلة لهم. تقول عائشة السهيلي لـ"العربي الجديد": "أعيش في شقة قديمة منذ أكثر من عشرين سنة بإيجار 100 دولار شهرياً، وهذا مبلغ بسيط مقارنة بأسعار الشقق والمنازل التي يتجاوز إيجارها الشهري 300 دولار اليوم، أي أكثر من نصف أجر موظف عادي"، وتضيف: "الخوف تحت هذه الأسقف ليس شعوراً عابراً، بل هو رفيق يومي خاصة في مواسم الأمطار حين تتحوّل القطرات إلى إنذار بالخطر، لكن لا بديل في ظل ارتفاع الإيجارات على نحوٍ جنوني خلال السنوات الأخيرة". فعلياً عاد جدل المباني المهددة بالسقوط إلى الواجهة بعد الفيضانات الأخيرة التي شهدتها محافظات عدة وتسببت في انهيار أجزاء من المباني من دون تسجيل إصابات بين السكان. وأثارت وفاة تلميذ بانهيار جدار في مدرسة وتضرّر سيارات بانهيار جدار أحد الملاعب موجة انتقادات حول فعالية تدخلات الأجهزة في ترميم أو هدم مساكن ومبانٍ وجدران آيلة للسقوط، خصوصاً في أماكن يعبرها عشرات المارة يومياً. ولا تهدد المباني الآيلة للسقوط سكانها فحسب، بل المارّة من دون أي إنذار، إذ قد تسقط تشققات الجدران وتآكل الأسقف والأجزاء المتداعية في أي لحظة، لتُحوِّل الأرصفة من فضاء آمن إلى مناطق محتملة لحوادث قاتلة. ويزرع هذا الخطر المتواصل القلق في الفضاء العام، ويجعل حياة الناس رهن الإهمال ومشاريع ضحايا بانهيارات تحصل خلال ثوانٍ لكن كان يمكن تفاديها عبر تنفيذ عمليات صيانة تظهر الالتزام بتحمّل المسؤولية، خصوصاً أنّ إصابات سجلت بانهيار أجزاء من جدران مبانٍ قديمة خلال السنوات الأخيرة. وتفيد تقديرات رسمية بأنّ تونس تضم آلاف المباني المصنّفة بأنها آيلة للسقوط، غالبيتها في مدن عتيقة. وصدرت فعلياً قرارات بالإخلاء أو الترميم، لكن التنفيذ يبقى بطيئاً وعالقاً بين تعقيدات إدارية ونقص التمويل وغياب بدائل سكنية حقيقية للمتضرّرين. وتوضح وزارة التجهيز والإسكان أنّ غالبية هذه المباني تتمركز في تونس الكبرى ومدينتَي بنزرت وصفاقس، وأن بلدية تونس العاصمة تضم نحو ألف عقار آيل للسقوط، في حين يوجد أكثر من 1600 عقار قديم في محافظات المهدية وبنزرت ونابل وجندوبة والقيروان. وسبق أن ذكرت سابقاً أنّ المباني التي شيّدت قبل عام 1956 تمثّل نحو 6% من مجموع الرصيد السكني في تونس، وغالبيتها في تونس الكبرى، أي العاصمة ومدن مجاورة. وظلّت تلك المباني موضع جدل كبير، وفشلت البلديات المتعاقبة في إيجاد حل جذري لها رغم أنّها أصبحت تشكل خطراً على المارّة بعد انهيار أجزاء كبيرة منها. واللافت أن لا إحصاءات دقيقة لعدد المباني القديمة وعدد سكانها، أو حتى أي تفاصيل عن مالكيها، وإذا كان تونسيون يملكون غالبيتها أو أجانب، علماً أن مسؤولين يتحدثون عن أنّ معظم هذه المباني يملكها فرنسيون وإيطاليون خصوصاً. وفي يونيو/ حزيران 2024 صادق البرلمان على القانون الخاص بالمباني الآيلة للسقوط الذي هدف إلى إعادة توظيفها وإدراجها مجدداً ضمن الدورة الاقتصادية والاجتماعية من خلال حثّ المالكين على صيانة عقاراتهم كي توفر الشروط الأفضل والأسرع للحفاظ على سلامة المارة والسكان، وضبط إجراءات ومراحل تشخيص المباني الآيلة للسقوط وطرق معالجتها. وشملت أهم محاور القانون تأكيد الطابع الإداري لإجراءات التدخّل من أجل إصدار وتنفيذ القرارات الخاصة بالمباني الآيلة للسقوط على صعيد الإخلاء أو الهدم أو الترميم، إضافة إلى ضبط كل إجراءات التدخل بدقة، وتحديد آجال كل إجراء في حال انهيار أي مبنى مهدّد مع إخضاع القرارات المتخذة لرقابة القاضي الإداري، وأوضح القانون أنّ قرارات الإخلاء والهدم أو الترميم ستُتخذ بناء على اختبار فني مأذون به قضائياً ويعدّه مهندس مدرج في قائمة الخبراء. وأكد القانون إمكانية اللجوء إلى الانتزاع من أجل المصلحة العمومية في إطار تدخل السلطة العامة لتفادي انهيار المباني المتداعية للسقوط، علماً أنّ انتزاع العقارات المتداعية للسقوط إجراء استثنائي تفرضه حالات التدخل الوجوبي للبلدية، وبعد استنفاذ جميع الإجراءات والآجال وتقاعس المالك أو عدم تعهده بتنفيذ القرارات الصادرة في شأن مبناه الآيل للسقوط. ورغم المصادقة على القانون أكدت السلطات المحلية أنّ المشكلة معقّدة ومتراكمة منذ عقود، ويتطلب حلها تنسيقاً بين الدولة والبلديات والمالكين، وأشارت وزارة التجهيز والإسكان إلى أنّ البلديات تواجه نقصاً في الموارد البشرية والمالية وتعقيدات إدارية عدة لتطبيق القانون. وفي الأيام الأخيرة انعقدت لقاءات عدة على مستوى البلديات ولجان مواجهة الكوارث لمناقشة كيفية حل مشكلة هذه المباني، خصوصاً تلك التي يرفض سكانها إخلاءها، وجرى تكثيف اللافتات قرب هذه المساكن لتحذير المارة من خطورتها. لتبقى المباني الآيلة للسقوط شاهداً على أزمة عمرانية وإنسانية قد توقظها أي كارثة مثل تلك التي نتجت من التقلبات الجوية التي شهدتها تونس أخيراً، وأدت إلى انهيار أجزاء المباني.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية