عربي
في كتابه الأخير "همس الوردة.. ظل الفراشة" (دار خطوط وظلال، عمّان، 2026)، كتب القاص والناقد المغربي عبد النبي دشين الذي رحل عنا صباح أول أمس الأربعاء: "ثمة أرواحٌ لا تأتي لتمكث، بل لتُوقظ فينا نافذةً كانت مغلقة… يرحلون، وتبقى النافذة مشتعلةً بالأسئلة". وهذا ما فعله في أصدقائه ومعارفه الذين رثوه بالحزن الأكثر استدارة في القلب، كأنه كان يمتحن سطوع ضوئه في كلماتهم.
ولد دشين في الدار البيضاء، وفيها تشبّع برائحة الكتب في حي الأحباس، حيث بدأت علاقته باللغة تتخذ مساراً يقوم على شغف مبكر بالقراءة، وطموح جم لترجمة ما تمور به مدينة "كوسموبوليتية" تمنحه مادتها الخام القابلة للسرد والتأمل: وجوه الناس وحكاياتهم وانشغالاتهم وتحايلهم على اليومي. أصدر أعمالاً متعددة رسخت اسمه في المكتبة المغربية، وكان من بينها "رائحة الورس" (1994)، وهو عمل فتح أفقاً سردياً يشتغل على التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية، ويمنح الهامش حضوراً إنسانياً دافئاً، حيث تتشكل الشخصيات في تماس مع محيطها الحضري. أما اللغة فتمتح من معجم تراثي خاص يتميز بغنى معجمي واضح وتنوع تعبيري عبر استخدام كلمات من الفصيح المهمل من قبيل: (الهلب، الصديغ، الورس...) وأخرى من اللغة المحكية، وثالثة اجترحها الكاتب بشكل تجريبي، مثل (ضحكبكاء، مقهاتية، اليحاول..). ثم جاء كتاب "شعرية العنف" (1999) ليكشف عن حس نقدي يتجه نحو تفكيك العلاقة بين التعبير الفني وتحولات المجتمع، فكانت اللغة في هذا العمل مشبعة بوعي جمالي يتتبع أثر العنف في التمثلات الثقافية، ويبحث عن معانيه في مستويات متعددة من الخطاب.
وحين ظن الجميع أنه سكت عن "القص المباح"، فاجأ المتابعين بمجموعته القصصية "لا أحد ينتظرني" (2025) التي كشفت عن بعد "كافكاوي" مع لمسة "بورخيسية" وظل "أوستيري" يطبع نظرة الكاتب، كما يذهب إلى ذلك الشاعر والروائي حسن نجمي. إنها "نصوص قصصية تلتقط انهيارات باطنية شخصية، ذاتية وفردية، لكنها تعبر عن انهيارات أشمل وأعم، وحتى المكان الذي يتم التقاطه في البناء الحكائي والسردي، يبدو مكاناً متصدعاً".
في ذروة انشغاله بالسرد، لم ينس دشين قضايا القراءة بوصفها موضوعاً مركزياً في كتاباته، فأصدر "استراتيجيات تنمية القراءة" (2020)، وهو عمل يعكس اهتماماً عميقاً بتعزيز حضور الكتاب في الحياة اليومية، حيث تتحول القراءة إلى عادة راسخة تسهم في تشكيل وعي جماعي قادر على التفكير والتحليل. وقد ظل حديثه عن الكتب يمتد في كل الأرجاء، فتتشكل حوله دوائر من الحوار، وتتحول المجالس الثقافية إلى فضاءات تتقاطع فيها الأفكار وتتشابك التجارب.
جمَع بين شغف الأدب وشغف الصورة السينمائية في مسيرته
وفي سنة 2022 أصدر "الكتابة والحياة: قراءات في السينما والأدب"، وهو كتاب يجمع بين شغفين متجاورين في مسيرته، شغف الأدب وشغف السينما، حيث تتحول الصورة السينمائية إلى أفق تأملي يكشف عن تداخل الفنون وتكاملها في بناء المعنى.
ومن ثم، يمكن القول إنه على قناعة تامة بأن الصورة امتداد للكتابة، وبأن الفيلم نص بصري يحمل دلالات قابلة للقراءة والتحليل، مما انعكس على لغته النقدية التي تميل إلى الوصف الدقيق، وإلى بناء المشهد على أساس التوازن بين الفكرة والصورة.
شارك عبد النبي دشين في أنشطة اتحاد كتاب المغرب، وأسهم في مبادرات الجمعية المغربية لنقاد السينما، وواكب أعمال الائتلاف المغربي للثقافة والفنون، حيث ارتبط اسمه بجهود تنظيمية وفكرية تهدف إلى تعزيز الفعل الثقافي داخل المجتمع. كما شارك في لجان تحكيم عدد من الجوائز والفعاليات الثقافية والسينمائية، وكان حضوره في هذه الفضاءات يعكس خبرة نقدية تقوم على التوازن والدقة والإنصات إلى النصوص الإبداعية، مع قدرة على قراءة التجارب الفنية في سياقاتها الفكرية والجمالية.
