عربي
تتجّه الحكومة المصرية لإعادة رسم قواعد الأسرة في مصر عبر مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، في محاولة لحسم أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيداً، وذلك من خلال توحيد الإجراءات القضائية للمسلمين والمسيحيين، وإقرار أول قانون شامل ينظم شؤون الأسرة للمسيحيين بعد عقود من الاعتماد على لوائح متفرقة. وقال وزير العدل محمود حلمي الشريف في تصريحات صحافية، اليوم الأربعاء، إن مجلس الوزراء برئاسة مصطفى مدبولي وافق في اجتماعه الأسبوعي على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، تنفيذا لتوجيهات رئاسية، مؤكدا أن المشروع يمثل "تحولا تشريعيا غير مسبوق" في تنظيم هذا الملف.
وأوضح وزير العدل أن القانون يتكون من أربع مواد إصدار و160 مادة موضوعية، ويجمع بين بعدين رئيسيين: توحيد القواعد الإجرائية للتقاضي في قضايا الأسرة لجميع المصريين، عبر نحو 75 مادة مشتركة مع قانون الأسرة للمسلمين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الخصوصيات العقائدية لكل طائفة مسيحية في مسائل مثل الزواج والطلاق، وأشار إلى أن ذلك يعني عمليا أن المحاكم ستعمل وفق قواعد موحدة في إجراءات التقاضي والتنفيذ، وهو ما يُتوقع أن يقلل من التباين في الأحكام ويحد من طول أمد النزاعات، التي تُعد من أبرز نقاط الضعف في منظومة العدالة الأسرية في مصر.
يأتي مشروع القانون في وقت تُظهر فيه البيانات الرسمية تصاعد الضغوط على منظومة الأسرة، إذ سجلت نحو 265 ألف حالة طلاق سنويا في مصر وفق أحدث الإحصاءات، مقابل ما يقارب مليون حالة زواج، ما يعكس معدل طلاق يقترب من حالة واحدة لكل أربع زيجات تقريبا. وتشير تقديرات قضائية إلى تداول مئات الآلاف من قضايا النفقة سنويا أمام محاكم الأسرة، وسط شكاوى متكررة من بطء تنفيذ الأحكام وتهرب بعض المحكوم عليهم.
وجاء المشروع بعد نحو 35 اجتماعا للجنة إعداد قانونية ودينية، ضمت ممثلين عن الطوائف المسيحية المختلفة، والتي توصلت إلى "صيغة توافقية نادرة" أنهت سنوات من الخلافات حول قضايا حساسة، أبرزها الطلاق وإثباته، وهو ما كان يمثل أحد أكبر تحديات إصدار قانون موحد. وتُدار الأحوال الشخصية للمسيحيين عبر ستة أطر ولوائح كنسية وإدارية مختلفة، ما خلق حالة من عدم اليقين القانوني، وصعّب مهمة القضاة والمتقاضين على حد سواء، خاصة في ظل تباين التفسيرات بين الطوائف.
ويرى برلمانيون ومسؤولون أن القانون الجديد لا يعالج فقط هذا التشظي، بل يمثل جزءا من إعادة هيكلة أوسع لمنظومة الأحوال الشخصية في مصر، التي تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع معدلات النزاعات الأسرية، وتعقيدات قضايا النفقة، والخلافات حول الحضانة والرؤية، وهي ملفات تحمل كلفة اجتماعية واقتصادية متصاعدة.
ووفقاً لبرلمانيين، يستند المشروع إلى المادة الثالثة من الدستور، التي تكفل للمسيحيين الاحتكام إلى شرائعهم، لكنه في الوقت ذاته يعزز مبدأ المساواة عبر توحيد الإطار الإجرائي، وهو ما تعتبره الحكومة خطوة نحو تحقيق توازن بين الخصوصية الدينية ووحدة الدولة القانونية، وأكدوا أنه من المتوقع أن يسهم القانون، إلى جانب تشريعات موازية قيد الإعداد للأحوال الشخصية للمسلمين، في تقليل زمن التقاضي وتحسين آليات تنفيذ الأحكام، ولا سيما في قضايا النفقة، التي تمثل أحد أبرز مصادر التوتر داخل الأسر.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التحرك التشريعي يأتي في سياق توجه سياسي أوسع لحسم ملفات اجتماعية مؤجلة، وسط إدراك متزايد لدى صناع القرار بأن استمرار الأزمات الأسرية دون حلول تشريعية جذرية قد ينعكس على الاستقرار المجتمعي، في بلد يتجاوز عدد سكانه 107 ملايين نسمة. ومن المنتظر إحالة مشروع القانون إلى البرلمان خلال شهر مايو/أيار المقبل، حيث سيخضع لاختبار سياسي وتشريعي دقيق، في ظل حساسية مواده وتقاطعه مع اعتبارات دينية ومجتمعية، ليعد تمريره واحدة من أوسع عمليات إعادة تنظيم قوانين الأسرة في مصر منذ عقود.
