دراما القضايا... مسلسلات كأنّها تحقيقات صحافية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لطالما رفض الفنانون وصف أعمالهم بأنها "تناقش قضية كذا.."، عند الحديث عن قصص المسلسلات والأفلام، باعتبار أن الأعمال الفنية ليس من شأنها مناقشة القضايا وليس من الضروري أن تحمل رسالة ما، حتى تبدّل الحال في السنوات الأخيرة، وأصبح الممثلون يفتخرون بأن أعمالهم تناقش قضايا وتعرض الحلول، وتسعى إلى تغيير القوانين في المجتمع، وهي الظاهرة التي تجلّت بوضوح في موسم رمضان الماضي. تحولت المسلسلات المصرية في السنوات الأخيرة إلى عناوين لتحقيقات صحافية، بسبب الهوس الجديد بضرورة أن يحمل المسلسل قضية مجتمعية ما لمناقشتها والتوعية بها. وصلت هذه الظاهرة إلى ذروتها في العام الماضي، بمسلسل "لام شمسية"، الذي أحدث ضجة كبيرة بسبب تعرضه لقضية التحرش بالأطفال، وعدة قضايا تربوية ونفسية أخرى. تلقى المسلسل إشادات المؤسسات الحكومية والوسط الفني والجمهور، ما أعطى هذه النوعية من الأعمال دفعة جديدة لتقديم المزيد من القضايا لنيل الرضا المجتمعي عن الفن والمسلسلات، لذلك تكررت التجربة في موسم 2026 من خلال عدة مسلسلات وقضايا، مثل مسلسل "اللون الأزرق" لجومانا مراد وأحمد رزق، الذي تولى مهمة التوعية بقضية أطفال طيف التوحد، وتحولت حلقات المسلسل إلى نقاشات للتوعية بطرق التعامل مع الأطفال في غياب للدراما. في الموسم نفسه، عرض أيضاً مسلسل "حكاية نرجس" لريهام عبد الغفور، عن قصة حقيقية تناقش قضية خطف الأطفال، و"عرض وطلب" لسلمى أبو ضيف الذي استعرض قضية التجارة في الأعضاء، واستمرت الظاهرة في "أب ولكن" الذي تعرض لقانون "الرؤية"، أحد قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالطلاق ومصير الأبناء بعد الانفصال، وأخيراً مسلسل "كان ياما كان" لماجد الكدواني، وقد ناقش مشكلات الطلاق وتأثيرها على الأبناء. اكتفت مسلسلات أخرى بإقحام مشاهد توعوية مباشرة في أحداثها وعرض أرقام الجهات الحكومية على الشاشة للتواصل معها، مثل مشهد للتوعية بالعنف الزوجي في مسلسل "اتنين غيرنا"، وآخر للتوعية بقضية الابتزاز الإلكتروني في مسلسل "حد أقصى" لروجينا، في حين اختار أحمد العوضي ترويج مبادرات وزارة الصحة لعلاج الإدمان بالمجان في مشهد لاقى سخرية بسبب إقحامه في الأحداث من دون مبرر درامي. تعبر هذه الظاهرة الدرامية الجديدة عن التوافق بين وجهة نظر السلطة الحالية والفنانين عن دور الفن، خاصة بعد الانتقادات العلنية العديدة التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الدراما المصرية في العديد من المناسبات بداية من 2014 إلى العام الماضي، وتحولت انتقاداته واقتراحاته في السنوات الأخيرة إلى موضوعات درامية عبر لجان الدراما والشركة المتحدة للإنتاج، وكانت نتيجتها موجة من المسلسلات التي تناقش قضايا الترابط الأسري والطلاق مثل مسلسل "إلا أنا" و"أبو العروسة" وغيرهما، إلى جانب مسلسلات الدعاية السياسية والأمنية، مثل "الاختيار". وقلّت بذلك نسبة المسلسلات التي تهدف إلى التسلية أو الإثارة والسخرية، وتلاشى حضور العديد من الأدوار في الدراما المصرية، مثل الشخصيات الشريرة أو الإجرامية في أدوار البطولة، وتقلصت المساحة بين دور الإعلام ودور الفن، بسبب وضع الدولة الجميع في سلة واحدة، وهو ما يظهر في تصريحات السيسي عن "دور الفن والإعلام" باعتبارهما وسيلة واحدة، ما حمل الفنانين بالتبعية مسؤولية مناقشة القضايا والضغط لتغيير القوانين والدعاية لمؤسسات الدولة، مثل مسلسلات "تحت الوصاية" و"فاتن أمل حربي". حتى إن المسلسلات الشعبية دائماً ما تنتهي بنهاية تربوية ووعظية، أو إدانة الشخصيات الشريرة في المسلسلات من اللحظة الأولى والتبرؤ منها، مثلما حدث مع مسلسل "مناعة" لهند صبري (رمضان 2026)، إذ جسدت الممثلة التونسية شخصية تاجرة ممنوعات من فترة السبعينيات، ورغم ذلك أطلقت العديد من التصريحات الاستباقية بنبرة اعتذارية تفادياً للانتقادات والهجوم، وأدانت شخصيتها. أضافت هذه الظاهرة المزيد من الضغوط على الفنانين، باعتبارهم مسؤولين عن قضايا المجتمع وعن الأدوار الرسمية والإعلامية، ما يزيد التحفظات لدى بعضهم في تقديم أعمال خفيفة خالية من القضايا، لأن المقابل لذلك هو الاتهام بنشر التفاهة وإفساد المجتمع، وهي الاتهامات التي حاربها الوسط الفني عبر تاريخه في مصر، واستسلم لها بعضهم بالتبرع في تقديم مثل هذه الأعمال من أجل نفي التهمة عن الفنانين، وكأنها قربان للسلطة واعتذار للمجتمع. افتقدت بذلك المسلسلات المصرية إلى النواحي الجمالية، التي هي أساس الفن، مقابل الاهتمام بتقديم الرسالة بشكلها المباشر والرسمي، ما أعاد صناعة المسلسلات سنوات طويلة إلى الوراء، إلى عصر السهرات التلفزيونية والتمثيليات، في بداية عصر التلفزيون في مصر، حين كان التلفزيون هو الوسيلة الرسمية الوحيدة للتوعية ونقل الرسائل السياسية والاجتماعية للدولة، وساد اتفاق ضمني بين الفنانين والسلطة على أن التلفزيون للتوعية والإرشاد بصفته يدخل كل بيت وموجهاً إلى جميع أفراد الأسرة مقابل هامش حرية أكبر للسينما والمسرح. كانت السهرات الدرامية تُنتج داخل التلفزيون المصري عن طريق الفنانين الموظفين لدى اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وبإنتاج قليل التكلفة، إضافة إلى المسلسلات التاريخية والدينية والفوازير أيضاً. مع نهاية التسعينيات ودخول عصر القنوات الفضائية الخاصة، تحررت صناعة التلفزيون من هذه القيود تدريجياً، وارتفع مستوى الدراما المصرية خاصة مع دخول نجوم السينما بها، مثل يسرا ونور الشريف ويحيى الفخراني، قبل الانتقال إلى مرحلة المسلسلات الشبابية والسيتكوم، وانتقال أجيال جديدة من نجوم السينما إلى التلفزيون بعد ثورة يناير، مثل كريم عبد العزيز وأحمد مكي ويوسف الشريف وعادل إمام. وظهرت حينها لأول مرة المسلسلات السياسية والبوليسية وأعمال الجريمة، ولكن عاد الوضع تدريجياً إلى عصور التلفزيون الأولى بعد ظهور الشركة المتحدة، التي احتكرت صناعة الدراما والتلفزيون، وتحول الفنانون مرة أخرى إلى موظفين ولكن بصفة غير رسمية، ومن دون تعويض لهذه القيود بمساحة حرية في السينما والمسرح.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية