لغز علي الزيدي
Arab
1 day ago
share
موجة الترحيب والتأييد التي حظي بها المرشّح لرئاسة وزراء العراق علي الزيدي غير مسبوقة، ولم تبد متوقَّعة لمراقبين كثيرين. خصوصاً النبرة الحماسية التي شابت تغريدات الرئيس الأميركي ترامب وتصريحاته المؤيدة له، واقتربت من حدودٍ محرجة، بإعلانه أنه هو من جلب الرجل! لا يداني الدهشةَ من موجة الترحيب سوى دهشة انبثاق الزيدي نفسه مثل أرنبٍ من قبّعة ساحر، على حدّ رأي بعض المعلّقين، قادماً ممّا يشبه العدم، ليرتقي إلى كرسي أعلى منصبٍ في البلد. هناك من يرى أن طرح الزيدي لرئاسة الوزراء مجرّد مناورة لكسب الوقت من "الإطار التنسيقي" الشيعي، للتلاعب بالمواقيت الدستورية، ريثما يتم ترتيب مرشّحٍ آخر مناسب لهم بعد شهرٍ. ولكن، سواء أكانت مناورة حقّاً أم غير ذلك، فإن الاستجابة المتحمّسة للإدارة الأميركية، وما تبعها من موجة ترحيب وتهنئة دولية وإقليمية، جعلت الأمر واقعاً ومن الصعب التراجع عنه، خصوصاً الاستجابة الأميركية التي توحي بالقول: خلص... هذا هو رئيس الوزراء المطلوب. يجري الزيدي حالياً مداولاتٍ بين الفرقاء السياسيين لاختيار مرشّحين لشغل الحقائب الوزارية، وإن استقرّت التشكيلة وجرى التصويت عليها، فسيكون هذا حدثاً استثنائياً في مسار العملية السياسية في العراق منذ 2003، ولا يدانيه أو يقترب منه سوى صعود محمد الحلبوسي؛ فهو أيضاً مهندس ورجل أعمال شاب، انبثق فجأةً في ساحة العمل السياسي، ليرتقي بعد دورتين انتخابيتين إلى رأس إحدى السلطات الثلاث؛ رئاسة البرلمان، وما زال لاعباً سياسياً "سنّياً" أساسياً ومؤثّراً. الغاطس في قضية الزيدي أكبر من الظاهر والمعلن، وبالتأكيد ستكشف الأيام المقبلة عن معلوماتٍ أكثر. وما زال العراقيون يتراشقون في وسائل التواصل الاجتماعي بين من يصرّح بأنه "رجل أميركا"، ويردّ آخرون بأنه خرج من حاضنة المليشيات والحرس الثوري. على جانبٍ آخر، ما زالت الفرضية التي كتبتُ عنها هنا في "العربي الجديد" قبل أسبوعين صالحةً للاستخدام؛ فاختيار الزيدي جاء بعد زيارة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، ومن الصعب ادّعاء أن لا علاقة لهذه الزيارة بملف اختيار رئيس الوزراء في العراق. جاء الرجل، القريب من التيار المفاوض لأميركا، لكي يضغط على تلك المليشيات المرتبطة بشكلٍ مباشر مع الحرس الثوري، والتي قادت أعمالاً مسلّحة ضد مصالح أميركا وأطلقت صواريخها على دول الخليج العربي، كي يقنعهم بقبول الزيدي مقابل مكاسب أو صفقة. وقد أفادت أنباء بأنها تتعلّق بتدعيم مؤسّسة الحشد الشعبي، بدلاً من حلّها أو إلحاقها بوزارة الدفاع كما كانت تطالب أميركا. سيمرّ الزيدي بوصفه مرشّحاً مقبولاً من أميركا، وستحلّ الفصائل نفسها وتندمج في العمل السياسي، مقابل ضمان وجودها بشكلٍ أرسخ داخل مؤسّسة الحشد الشعبي، بما يشبه الخروج من الباب للدخول من الشبّاك. من دون أن تحلّ الفصائل والمليشيات نفسها بنفسها، فإن الزيدي، القادم من مناخات العمل المصرفي والاقتصادي، لن يكون قادراً، حتى لو اكتسب قوى سحرية، على حلّ هذه الفصائل؛ فهي ممثّلة سياسياً داخل كتلة "الإطار التنسيقي" التي جاءت به إلى المنصب، كما أن المساحات الأمنية متداخلة بين الفصائل و"الحشد" وأجهزة الجيش والشرطة على امتداد الجغرافيا العراقية. أدلى الزيدي ببعض تصريحات مرتبكة أمام وسائل الإعلام، وتحدّث عن الإصلاح الاقتصادي والتنمية، وهذا "ثاني المستحيلات" في عراق اليوم بعد الملف الأمني؛ فأي إصلاحٍ حقيقي وجادّ يعني الصدام مع الأحزاب الكبرى والمليشيات. فهي "تدير" ماكنة فساد هائلة، علنية وراسخة، ولا يخجل أحدٌ من وجودها، لعلّ أبرز عناوينها ما يُسمّى بـ"المكاتب الاقتصادية" للأحزاب. فهذه المكاتب تستحوذ علناً على عقود الوزارات، وتأخذ الأتاوات على عقود الشركات الأجنبية والمنافذ الحدودية، وتُحطّم إمكانات التنافس الحرّ والقانوني داخل القطاع الخاص ورأس المال الوطني، الأمر الذي يجعل الأحزاب وكأنها مؤسسات لنهب المال العام. إمّا أن يكون ترامب على يقين، من خلال وسيطه توم برّاك، بشيءٍ لا نعرفه عن علي الزيدي، أو أنه متفائل بشكلٍ مبالغ فيه بالقدرات "الخارقة" للرجل لإنهاء الملفّين الأخطر في الشأن العراقي اليوم، الأمن والاقتصاد. أو ربما يعوّل على أن التحوّل المحتمل في إيران سيعصف، تلقائيّاً، بأذرعها المسيطرة في العراق.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows