تحالف بينت لبيد: الدلالات والمعاني
Arab
55 minutes ago
share
تتصاعد في الأيام الأخيرة وتيرة تحضيرات الأحزاب الإسرائيلية لانتخابات الكنيست (البرلمان) المقررة في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، لا سيما داخل معسكر المعارضة الذي يحاول إعادة ترتيب صفوفه وتنظيم أوراقه الداخلية. وفي هذا السياق، برزت خلال الأيام الماضية محاولة واضحة لحسم هوية الحزب الأكبر داخل هذا المعسكر، وبالتالي تحديد مرشحه لرئاسة الحكومة في مواجهة بنيامين نتنياهو. وتوصّل نفتالي بينت، رئيس حزب بينت 2026 (اليميني) الذي تأسس في 2025، ورئيس الحكومة الأسبق، ويئير لبيد، رئيس حزب يوجد مستقبل (علماني وسطي) وزعيم المعارضة الحالي، إلى اتفاق يقضي بخوض الانتخابات المقبلة ضمن قائمة موحّدة برئاسة بينت، على أن يكون أيضاً مرشّحها لمنصب رئيس الحكومة. وبينما تنتهي ولاية الكنيست الحالي في أكتوبر المقبل، تحدث وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، القيادي بحزب الليكود بزعامة نتنياهو، لإذاعة الجيش الإسرائيلي الاثنين، عن نقاشات لتبكير موعد الانتخابات من 27 أكتوبر إلى الأول من سبتمبر/ أيلول المقبل. من جهتها ذكرت القناة 12 الإسرائيلية، أمس، أن الأحزاب الدينية "تمارس ضغوطاً شديدة على نتنياهو لإجراء انتخابات مبكرة"، مضيفة أن "التاريخ الذي طلبه المتدينون هو الأول من سبتمبر، بينما يريد نتنياهو الاحتفاظ بتاريخ الانتخابات الأصلي في 27 أكتوبر". وبحسب القناة فإنه من المتوقع اتخاذ القرار النهائي بشأن موعد الانتخابات وفقاً للتطورات في الساحة الإيرانية، التي تعتبر "العامل الحاسم في اعتبارات نتنياهو التوقيتية". إقرار بفشل أحزاب الوسط في استبدال حكم اليمين تعكس خطوة لبيد وبينت خوض الانتخابات بقائمة مشتركة برئاسة بينت إقراراً ضمنياً من قبل لبيد، وأحزاب المعارضة عموماً، بأن فرص منافسة نتنياهو وهزيمته تبقى محدودة، ما لم يُطرح مرشح ينتمي إلى التيار اليميني. فحزب يوجد مستقبل، الذي يُعدّ أكبر أحزاب المعارضة في الكنيست، تأسّس عام 2012 على خلفية حركة الاحتجاجات الاقتصادية–الاجتماعية، إلا أنه لم ينجح منذ دخوله الكنيست عام 2013 في تقديم بديل سياسي حقيقي أو في تشكيل تهديد فعلي لاستمرار حكم اليمين، وقيادة نتنياهو. كما لم يطرح الحزب مشروعاً سياسياً مغايراً في القضايا الجوهرية، لا سيما في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية والاحتلال، بل تبنى إلى حد كبير مواقف الإجماع الإسرائيلي التي تبلورت بعد الانتفاضة الثانية (2000-2005)، بما في ذلك رفض إقامة دولة فلسطينية، ومعارضة الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 أو تفكيك المستوطنات، إلى جانب دعم بقاء القدس الموحّدة عاصمة لإسرائيل، ورفض حق العودة.  تبنى حزب لبيد إلى حد كبير مواقف الإجماع الإسرائيلي التي تبلورت بعد الانتفاضة الثانية حدّد حزب يوجد مستقبل العلماني رؤيته لهوية الدولة منذ عام 2023، مؤكداً أنه "يؤمن بأن إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية بروح تصور أنبياء إسرائيل، وبحقه في العيش في دولة ذات أغلبية يهودية ضمن حدود آمنة وقابلة للدفاع". ووفق الحزب "من واجب دولة إسرائيل أن تكون مركزاً للشعب اليهودي، وأن ترعى شؤون كل يهودي يتعرض للاضطهاد بسبب يهوديته في أي مكان في العالم". كما يتبنّى الحزب رؤية اقتصادية ليبرالية تقوم على دعم اقتصاد السوق الحر، ما يجعله لا يختلف جوهرياً عن حزب الليكود (اليميني)، سواء في الجانب السياسي أو الاقتصادي. وفي هذا السياق، يركّز لبيد في خطابه على قدرته على إدارة الدولة بصورة أفضل من نتنياهو، مع تعهّد بإيلاء اهتمام أكبر للطبقة الوسطى ومعالجة أزمة غلاء المعيشة. ومع ذلك، يتمثّل الفارق الأساسي بينه وبين "الليكود" في مواقفه من قضايا داخلية محددة، أبرزها دعوته إلى تجنيد طلاب المعاهد الدينية للخدمة العسكرية، وطرحه موقفاً نقدياً من نفوذ الأحزاب الحريدية (الحريديم المتشددون)، ورفضه لما يعتبره "ابتزازاً مالياً" عبر الاستمرار في تخصيص ميزانيات كبيرة للمجتمع الحريدي. حاول لبيد تقديم نفسه ممثلاً لشريحة الطبقة الوسطى في إسرائيل، وتمركز أساساً في أوساط محددة، ولا سيما بين ذوي الأصول الغربية (اليهود الأشكناز) في منطقة المركز الاقتصادي. وتعكس نتائج انتخابات عام 2022 (المبكرة) هذا التفاوت بوضوح، إذ حصد "يوجد مستقبل" ما بين 30% و35% من الأصوات في مدن المركز الاقتصادي، مقابل نسب متدنية في بلدات الأطراف، مثل 11% في بئر السبع، و12% في أشدود، و4% في أوفكيم جنوباً، و6% في كريات شمونة شمالاً، وهي مناطق تسكنها غالبية من أصول شرقية. وبذلك، بقي تأثير لبيد وحزب يوجد مستقبل محدوداً جغرافياً واجتماعياً، من دون أن يتمكّن من توسيع قاعدته الانتخابية على نحو يوازي طموحاته السياسية. المرة الوحيدة التي نجح فيها لبيد في إبعاد نتنياهو عن رئاسة الحكومة جاءت عقب انتخابات عام 2021 المرة الوحيدة التي نجح فيها لبيد في إبعاد نتنياهو عن رئاسة الحكومة جاءت عقب انتخابات عام 2021 (المبكرة) عندما تشكّلت حكومة ائتلافية عُرفت بـ"حكومة التغيير"، قامت على اتفاق تناوب على رئاسة الحكومة مع نفتالي بينت، رئيس حزب يمينا. وقد تنازل لبيد في حينه لبينت عن رئاسة الحكومة في المرحلة الأولى من الاتفاق، رغم أن "يمينا" حصل على سبعة مقاعد فقط، مقابل 17 مقعداً لحزب يوجد مستقبل، في الكنيست المكوّن من 120 عضواً. وقد أمكن تشكيل هذه الحكومة بفضل انضمام حزب عربي (فلسطيني)، هو "الحركة الإسلامية – الجناح الجنوبي"، الذي حصل على أربعة مقاعد، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ دولة الاحتلال من حيث المشاركة في ائتلاف حكومي. وأسهم ذلك في تأمين أغلبية برلمانية بلغت 62 مقعداً. غير أن هذا الائتلاف الحكومي، الذي ضم أحزاباً من اليمين والوسط إلى جانب حزب ميرتس الذي مثّل أقصى اليسار الصهيوني، إضافة إلى حزب عربي، لم يصمد طويلاً. فقد تفكّك بعد أقل من عام على تشكيله، نتيجة التناقضات السياسية الداخلية، فضلاً عن انسحاب عدد من أعضاء حزب بينت، الذين عارضوا الاستمرار في ائتلاف يستند في بقائه إلى دعم حزب عربي. حكم يميني آخر دخل بينت الكنيست لأول مرة في انتخابات عام 2013، حين ترأس حزب البيت اليهودي اليميني، وطرح منذ ذلك الحين برنامجاً سياسياً يندرج، إلى حد بعيد، ضمن توجهات أحزاب اليمين. فعلى سبيل المثال، نصّ برنامج الحزب آنذاك على أن دولة إسرائيل هي "دولة الشعب اليهودي وفق الوعد الإلهي"، وأنها "دولة يهودية ذات نظام ديمقراطي". كما أكّد الحزب أنه سيعمل على تعزيز الطابع اليهودي للدولة وترسيخه، ومواجهة أي محاولات لإعادة تعريفها أو تحويلها إلى "دولة لجميع مواطنيها". يعتبر بينت أن الحلول السياسية المطروحة بشان القضية الفلسطينية عبر "حل الدولتين" أو ضم الضفة الغربية غير عملية وقد تشكّل تهديداً لمستقبل إسرائيل وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، رفض بينت إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة حلّاً للصراع، واعتبر أن الحلول السياسية المطروحة، سواء عبر "حل الدولتين" أو من خلال ضم الضفة الغربية وسكانها، غير عملية وقد تشكّل تهديداً لمستقبل إسرائيل. ووفقاً لبرنامج الحزب، فإن "المساحة بين النهر والبحر هي موطن لدولة إسرائيل فقط". وانطلاقاً من هذا التصور، طرح بينت ما وصفه بخطة "التهدئة"، التي تشمل ضمّ مناطق "ج" (61% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة أمنياً وإدارياً بموجب اتفاقية أوسلو لعام 1995) إلى إسرائيل، ومنح الفلسطينيين في المناطق ذات الكثافة السكانية شكلاً من أشكال الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية، من دون إقامة دولة مستقلة. كما أولى الحزب أهمية كبيرة لدعم الاستيطان وتوسيعه في مختلف أنحاء ما يُسمّى "أرض إسرائيل". وبعد تفكك التحالف عام 2022 وتبكير الانتخابات، قال بينت إنه لن يترشح وسيخرج إلى استراحة او تجميد العمل السياسي، لكنه لم يعتزل وعاد في العام الماضي ليؤسس "بينت 2026".  تحالف بينت لبيد بلا مشروع سياسي لا يقدّم التحالف بين بينت ولبيد برنامجاً سياسياً يُشكّل بديلاً حقيقياً لمشروع "الليكود" واليمين الحاكم، بل يكتفي بطرح حزمة من البنود الإجرائية–التقنية بوصفها برنامجاً انتخابياً. ومن بين هذه البنود: التعهّد بعدم تشكيل حكومة مع نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير زعيم حزب العظمة اليهودية المتطرف، وإقامة ائتلاف يستند إلى أحزاب صهيونية فقط، واعتماد نظام "السباعيات" في توزيع المقاعد بين الحزبين (لاختيار المرشحين وتحديد ترتيبهم في القائمة الانتخابية ضمن سبع مجموعات أو مستويات) بحيث يحصل بينت على أربعة مقاعد مقابل ثلاثة للبيد في كل مجموعة، إلى جانب الالتزام بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتحديد مدة ولاية رئيس الحكومة. في المقابل، يغيب عن هذا الطرح أي تناول للقضايا الجوهرية الملحّة في المجتمع الإسرائيلي، وفي مقدمتها استمرار الحروب، ومسألة الاحتلال، وكذلك قضية تجنيد طلاب المعاهد الدينية للخدمة العسكرية، ما يعكس محدودية الأفق السياسي للتحالف المقترح. يغيب عن طرح التحالف أي تناول للقضايا الجوهرية الملحّة في المجتمع الإسرائيلي وفي مقدمتها استمرار الحروب ومسألة الاحتلال يوضح تحالف بينت-لبيد الراهن مرة أخرى أن معسكر المعارضة، الذي يضم أطرافاً من اليمين التقليدي ووسط–يمين إلى جانب أحزاب من اليسار الصهيوني، بات مقتنعاً بأن استبدال حكم "الليكود" ونتنياهو لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حزب ومرشح لرئاسة الحكومة ينتميان أصلاً إلى التيار اليميني. وتأتي هذه القناعة في سياق التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث اتجهت غالبية المجتمع -بل حتى قبل ذلك- نحو تبني مواقف اليمين واليمين المتطرف، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومسألة الاحتلال. تشير استطلاعات الرأي التي نُشرت في القنوات الإسرائيلية الثلاث (كان 11 الرسمية والقناة 12 والقناة 13)، الأسبوع الماضي إلى أن تحالف بينت–لبيد، الذي يخوض الانتخابات تحت اسم "بياحد" (معاً)، يحصد حالياً ما بين 26 و27 مقعداً، وهو عدد أقل مما كان يحققه كل حزب على حدة حتى الآن. في المقابل، لا تزال أحزاب المعارضة مجتمعة تحصل على نحو 56–57 مقعداً في مختلف الاستطلاعات، ما يعني أنها غير قادرة على تشكيل ائتلاف حكومي بمفردها، من دون دعم حزب عربي واحد على الأقل، أو انتقال أحد أحزاب معسكر الائتلاف الحاكم الحالي إلى دعم المعارضة بعد الانتخابات. على الرغم من ذلك، يرى بينت ولبيد أن التحالف الجديد يخدم مصالحهما الانتخابية والحزبية، وقد يفتح الطريق أمام إزاحة نتنياهو بعد الانتخابات. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل تأثير تراجع شعبية حزب يوجد مستقبل في استطلاعات الرأي، حيث تشير التقديرات إلى أنه قد لا يتجاوز عشرة مقاعد، وهو ما يفسّر جزئياً دوافع لبيد للانخراط في هذا التحالف. في المقابل، يسعى بينت من خلال هذا التحالف إلى قطع الطريق أمام صعود غادي آيزنكوت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، وحزبه الجديد "يشار" (الصادق) الذي أسسه العام الماضي، ومنع تحوّله إلى منافس مركزي على قيادة المعارضة وترشيحها لرئاسة الحكومة. وبذلك، يمكن القول إن هذا التحالف يحمل دلالات متعددة على طبيعة المشهد السياسي الإسرائيلي، وعلى وضع معسكر المعارضة على وجه الخصوص. فهو يُعدّ خطوة مهمة في إطار إعادة ترتيب الصفوف ورفع المعنويات داخل هذا المعسكر، ومحاولة للحدّ من التشرذم الداخلي. غير أن هذه الخطوة لم تُفضِ، حتى الآن، إلى إحداث تغيير جوهري في موازين القوى بين معسكر الائتلاف الحاكم ومعسكر المعارضة، كما لا تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى قدرتها على حسم نتائج الانتخابات لصالح المعارضة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows