حرب السودان: أزمة الخرطوم وأديس أبابا وأبوظبي تتفاقم
Arab
56 minutes ago
share
يعود التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا بسبب قوات الدعم السريع، بعد اتهام الخرطوم أديس أبابا وأبوظبي أمس الثلاثاء بالتورط في "العدوان على السودان" على خلفية هجمات شنتها طائرات مسيّرة استهدفت العاصمة الخرطوم أول من أمس الاثنين، وطاولت المطار وعددا من المواقع، وسط تأكيد الحكومة السودانية أن المسيّرات انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي، بالتزامن مع استدعاء السودان سفيره لدى إثيوبيا، موضحاً أنه سيضيف أدلة جديدة لدى مجلس الأمن ضد الإمارات، التي يتهمها أيضاً بالمشاركة في العدوان. وفيما سارعت إثيوبيا إلى نفي الاتهامات الموجهة لها، متهمة في المقابل السودان بدعم جبهة تحرير تيغراي المعارضة للحكومة الإثيوبية، لم يصدر أي تعليق فوري من الإمارات على الاتهامات وإن كانت أكدت سابقاً أنها ليست طرفاً في النزاع السوداني. ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 إبريل/نيسان 2023 توترت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا أكثر من مرة، لكن بدا أن التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا بلغ ذروته الاثنين الماضي عقب هجمات شنتها طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع على الخرطوم، مستهدفة المطار وأجزاء أخرى من العاصمة، والتي جاءت وسط موجة من الهجمات التي تشنها "الدعم" بالطائرات المسيّرة منذ الشهر الماضي، وطاولت ولايات شمال كردفان والنيل الأبيض والجزيرة والقضارف وولاية العاصمة الخرطوم، وتسببت في سقوط قتلى وجرحى وتدمير مواقع مدنية ومنازل مواطنين. وفي مؤتمر صحافي ليل أول من أمس الاثنين، قال المتحدث باسم الجيش السوداني العميد عاصم عوض، إن الحكومة تمتلك حزمة من الأدلة الموثقة التي تثبت تورط دولتي الإمارات وإثيوبيا في العدوان على السودان، على خلفية استهداف مطار الخرطوم بمسيّرات، ما يشكل انتهاكاً صريحاً لسيادة البلاد وخرقاً صريحاً للقانون الدولي. وأضاف عوض، في المؤتمر الصحافي المشترك مع وزيري الإعلام خالد الإعيسر والخارجية محيي الدين سالم، أنه بناء على معلومات موثقة بالأدلة الدامغة من الأجهزة الرسمية والوسائل المختلفة، بدأت في الأول من مارس/آذار الماضي طلعات جوية عدائية بثلاث مسيّرات من مطار بحر دار الإثيوبي فوق ولايات النيل الأبيض، والنيل الأزرق، وشمال كردفان، وجنوب كردفان. وأكد أنه بتاريخ 17 مارس الماضي تم التعامل مع إحدى هذه المسيّرات بواسطة الدفاعات الجوية وإسقاطها، وتم تحليل بياناتها واستفسار الجهة المصنعة، والتي أفادت بأن المسيّرة بالرقم (S88) مملوكة لدولة الإمارات، وتم استخدامها من داخل الأراضي الإثيوبية. ولفت إلى أن البيانات أوضحت موقع انطلاقها، وأن المسيّرة دخلت المجال الجوي السوداني عبر مسار معين وهاجمت القوات السودانية في مدينة الكرمك عدة مرات ومناطق أخرى في إقليم النيل الأزرق، فضلاً عن مهاجمة القوات في ولايتي شمال وجنوب كردفان. وأشار إلى أنه تم إسقاطها في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان. وأضاف عوض أنه في الأول من مايو/أيار الحالي، وحتى الرابع منه، انطلقت مسيّرة أخرى من مطار بحر دار الإثيوبي واخترقت الأجواء السودانية وتمت متابعتها حتى وصولها لمنطقة جبل أولياء جنوبي الخرطوم، ومن ثم استهدفت مطار الخرطوم ومناطق أخرى وتم التصدي لها. وأكد أنه استناداً إلى هذه الأدلة الموثقة فإن ما قامت به إثيوبيا والإمارات عدوان مباشر على السودان، وأنه "لن يقابل بالصمت، وأن القوات المسلحة على أتم الجاهزية للتعامل مع أي تهديد بما يحفظ كرامة وسيادة الوطن وأمنه". استدعاء سفير السودان لدى إثيوبيا وفي نفس المؤتمر الصحافي، أعلن سالم استدعاء سفير السودان لدى إثيوبيا الزين إبراهيم للتشاور بشأن العدوان الإثيوبي بالمسيّرات. وأكد أنه ثبت بالدليل القاطع أن العدوان انطلق من دولة إثيوبيا "التي ينبغي أن تكون دولة شقيقة". وتابع أن "دولتي الإمارات وإثيوبيا اختارتا الطريق الخطأ وستندمان". وجاء رد إثيوبيا سريعاً برفض ما وصفته "الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة"، والتي وردت خلال المؤتمر الصحافي للمسؤولين السودانيين في الخرطوم. وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان أمس الثلاثاء، إن شعبي السودان وإثيوبيا تربطهما علاقات صداقة وأخوّة تاريخية طويلة الأمد، متهمة القوات المسلحة السودانية بالتورط مع "مرتزقة" جبهة تحرير تيغراي في النزاع الدائر، وتقديم أسلحة ودعم مالي لها مما سهل توغلاتها على طول حدوده إثيوبيا الغربية. وأوضحت أن أنشطة مقاتلي جبهة تحرير تيغراي في السودان "أمر موثق للعموم"، ولدى الحكومة أدلة موثوقة تشير إلى أن السودان أصبح قاعدةً للقوى المعادية لإثيوبيا التي تعمل ضدها. اتهمت إثيوبيا القوات السودانية بالتورط مع جبهة تحرير تيغراي واعتبرت أن الاتهامات التي وجهها مسؤولون عسكريون سودانيون مدفوعة من جهات خارجية تسعى لتحقيق ما وصفته بـ"أجندة خبيثة". وأكدت الوزارة "التزام إثيوبيا بدعم الشعب السوداني والحفاظ على العلاقات التاريخية بين البلدين الجارين"، وجددت دعوة الحكومة الإثيوبية إلى إنهاء فوري للنزاع في السودان، مشددةً على أنه لا يوجد حل عسكري للحرب الأهلية الدائرة فيه. وحثت جميع الأطراف على الموافقة على هدنة إنسانية فورية، يليها وقف دائم لإطلاق النار، وحوار سياسي مدني مستقل وشامل وشفاف يهدف إلى استعادة السلام والحكم المدني في السودان. خلافات بين الخرطوم وأديس أبابا ويحفل تاريخ العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا بالكثير من الخلافات والتأرجح، بين التحالف الهش والعداء المعلن الذي تغذيه ملفات الحدود والمياه والتدخلات السياسية والعسكرية. وعند تفجر الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حاولت إثيوبيا التدخل ضمن دول أفريقية أخرى وشاركت مع كينيا، وجنوب السودان، وجيبوتي في يونيو/حزيران 2023 كعضو فاعل في لجنة شكلتها الهيئة الحكومة للتنمية "إيغاد". وقد واجهت تلك الجهود عقبات أبرزها رفض الجيش السوداني رئاسة كينيا للجنة، واتهامها وإثيوبيا بالانحياز لقوات الدعم السريع، ما أدى إلى تعثر هذه التحركات. ومن ثم حاولت إثيوبيا قيادة جهود أخرى في إطار ما تقول إنها تحركات لإحلال السلام في السودان، فاستضافت في أديس أبابا اجتماعات للتحالف السياسي الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقادة من "الدعم السريع" في يناير/كانون الثاني 2024. واستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2023، قائد "الدعم" محمد حمدان دقلو الشهير بـ"حميدتي" في العاصمة أديس أبابا، ضمن زيارة أفريقية لدقلو شملت حينها أوغندا. وقد اعتبرت الحكومة السودانية ذلك الاستقبال حينها تجاوزاً للحياد المفترض ورسالة سياسية سلبية، فيما زار أحمد بورتسودان في يوليو 2024 لإذابة الجليد بين الخرطوم وأديس أبابا لكن التوترات المكتومة تواصلت بينهما. وفي إطار تصاعد التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا اتهمت الحكومة السودانية في الثاني من مارس الماضي، بصورة رسمية نظيرتها الإثيوبية باختراق أجواء البلاد عبر طائرات مسيّرة للتعامل مع أهداف داخل السودان، مشددة على أن هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً لسيادة السودان، وعدواناً صريحاً على الدولة السودانية. وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان حينها، إن السلطات ظلت تتابع دخول طائرات بدون طيار من داخل الأراضي الإثيوبية منذ فبراير/شباط الماضي، مضيفة أن حكومة السودان تحذر السلطات الإثيوبية من مغبة هذه الأعمال العدائية. وفي 24 مارس الماضي سيطرت "الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو على مدينة الكرمك الاستراتيجية بإقليم النيل الأزرق الواقع على مسافة قريبة من الحدود مع إثيوبيا. ولم تصدر الحكومة السودانية حينها أي اتهامات، لكن ضباطاً سودانيين اتهموا على مواقع التواصل الاجتماعي إثيوبيا بمساندة الهجوم الذي قاد لسقوط مدينة الكرمك، التي كانت مسرحاً للقتال طوال 22 عاماً بين الجيش السوداني وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الراحل جون قرنق. وقد عزز تلك الاتهامات تقرير أصدره مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في 9 إبريل/نيسان الماضي، خلص إلى وجود نشاط يؤكد بدرجة عالية تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع داخل قاعدة تابعة للجيش الإثيوبي في مدينة أصوصا، القريبة من الحدود السودانية، خلال الفترة من 29 ديسمبر 2025 إلى 29 مارس 2026. وأشار التقرير إلى وجود دليل بصري واضح على أن "الدعم السريع" تنطلق في هجماتها على ولاية النيل الأزرق السودانية من داخل الأراضي الإثيوبية. وكانت وكالة رويترز ذكرت في فبراير/ شباط الماضي أن إثيوبيا تستضيف معسكراً لتدريب آلاف المقاتلين لقوات الدعم السريع وقامت بتحديث مطار أصوصا القريب لعمليات الطائرات المسيّرة. وقالت ثمانية مصادر، من بينها مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً للموقع، وهو ما ورد أيضاً في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليهما "رويترز". وقالت وزارة الخارجية الإماراتية، رداً على طلب التعليق، وقتها، إنها ليست طرفاً في الصراع ولا تشارك "بأي شكل من الأشكال" في الأعمال القتالية. وفي 6 مايو/ أيار 2025، أعلنت الحكومة السودانية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات متهمة إياها بـ"تزويد قوات الدعم السريع بأسلحة متطورة تم استخدامها في الهجمات على مدينة بورتسودان" شرق البلاد. وردت الإمارات، وقتها، بأنها "لا تعترف" بالقرار بدعوى أن السلطة الحالية "لا تمثل الحكومة الشرعية للسودان". وكانت الإمارات نفت مراراً تدخلها بالشأن السوداني، معربة عن حرصها على أمنه واستقراره. وتحدثت "رويترز" إلى 15 مصدراً مطلعاً على تشييد المعسكر وعملياته، من بينها مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، وحللت صور الأقمار الاصطناعية للمنطقة. وقدم مسؤولان بالمخابرات الإثيوبية وصور الأقمار الاصطناعية معلومات تؤكد التفاصيل الواردة في المذكرة الأمنية والبرقية. وتُظهر الصور مدى التوسع الجديد، الذي حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى جانب بناء مركز تحكم أرضي في الطائرات المسيّرة في مطار قريب. وورد في مذكرة أجهزة الأمن الإثيوبية التي اطلعت عليها رويترز أنه في أوائل يناير/ كانون الثاني، كان 4300 مقاتل من قوات الدعم السريع يتلقون تدريبات عسكرية في الموقع، وأن "الإمارات توفر الإمدادات اللوجستية والعسكرية لهم". ويقع المعسكر في موقع استراتيجي عند التقاء السودان وإثيوبيا وجنوب السودان. حلقات التآمر القديم وفي هذا الصدد، رأى الصحافي السوداني محمد محمود، في حديث مع "العربي الجديد" أن إثيوبيا تمضي في تصعيد أعمالها العدائية تجاه السودان ضمن سلسلة مما وصفها بحلقات التآمر القديم. وأضاف أن استمرار اعتداءات قوات الدعم السريع المدعومة من إثيوبيا سيدفع الخرطوم بقوة نحو الانضمام للحلف المعادي لأديس أبابا، والذي يتشكل من دول جوار ودول في القرن الأفريقي ترفض وجود أي موطئ قدم لأديس أبابا على ساحل البحر الأحمر. ولفت إلى أن "محاولة أديس أبابا جر الخرطوم نحو المواجهة المفتوحة ظناً منها أن الجيش السوداني في أضعف حالاته تصور خاطئ يتنافى مع التطور الذي حدث بعد حرب 15 إبريل 2023، وطبيعة المعركة الوجودية التي يخوضها الشعب السوداني"، معتبراً أن الحكومة السودانية تمتلك أوراقاً عديدة لزعزعة النظام الإثيوبي وعلى أديس أبابا عدم تجربة هذا الطريق. محمد محمود: اعتداءات الدعم ستدفع الخرطوم للانضمام للمعادين لأديس أبابا من جانبه، نصح وزير الداخلية السوداني الأسبق ورئيس حزب الأمة مبارك الفاضل، قيادة الجيش السوداني بالجلوس مع الطرف الإثيوبي لحل الخلافات بدلاً عن التصعيد غير المدروس. وأَضاف، في منشور على حسابه في منصة إكس أمس الثلاثاء، أن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بادر بزيارة بورتسودان (يوليو/تموز 2024) وسعى للتوسط بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ورئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، وأتبع ذلك بإرسال رئيس مخابراته وحاكم إقليم تيغراي لمناقشة الملفات العالقة بين الخرطوم وأديس أبابا مشدداً على أن هذه "الحرب اللعينة يجب أن تنتهي لأن كلفتها الإنسانية كبيرة، وليس فيها رابح بل الخاسر هو السودان وشعبه". وتساءل الفاضل: "بصرف النظر عن مصدر المسيّرات، هل الجيش السوداني يستطيع الآن أن يدخل في مواجهة عسكرية مع إثيوبيا وهو يخوض حرباً أهلية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق"، لافتاً إلى أن "الدعم السريع ظلت ترسل المسيّرات للعاصمة والأبيض والنيل الأبيض والمطار منذ أن حرر الجيش العاصمة والإقليم الأوسط مطلع 2025". وتابع: "نحن ندري أن هناك ملفات خطيرة عالقة بين الخرطوم وأديس أبابا ولذلك ننصح بالجلوس لحلها".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows