استثمارات أميركا في نفط ليبيا... تقارب أم تبعية؟
Arab
2 days ago
share
بعد سنوات من البقاء على هامش الأزمة الليبية، تبدو واشنطن اليوم أكثر حضوراً في تفاصيلها، في تحول لافت أعاد طرح التساؤلات حول طبيعة الدور الأميركي في بلد ما يزال منقسماً سياسياً ومؤسساتياً. فمنذ أن تولى مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، ملف ليبيا منتصف العام الماضي، أعادت الإدارة الأميركية صياغة نمط انخراطها وفق مقاربة تقوم على التدرج في بناء النفوذ عبر الاقتصاد، مع تركيز خاص على قطاع النفط باعتباره المدخل الأكثر تأثيراً في المشهد الليبي. وقد تجلى ذلك عبر فتح قنوات اتصال مباشرة بين مراكز القوة الفعلية على الأرض، وتحديداً حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة المشير خليفة حفتر في بنغازي. المسار الاقتصادي: الأسرع تأثيراً على الرغم من أن المقاربة الأميركية تحركت على مسارات متعددة (سياسية، وعسكرية، واقتصادية)، بدا المسار الاقتصادي -ولا سيما النفطي- الأكثرَ وضوحاً والأسرع تأثيراً. فمنذ زيارة بولس الأولى إلى ليبيا في يوليو/ تموز من العام الماضي، أشرف على توقيع مذكرة تعاون بقيمة 235 مليون دولار بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة "هيل إنترناشيونال"، ركزت على تحديث البنية التحتية النفطية وتعزيز كفاءة الإشراف الهندسي على المشاريع القائمة. وفي الزيارة الثانية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، رافق بولس وفد من مديري شركات نفطية أميركية كبرى، من بينها "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"هاليبرتون"؛ حيث وقعت هذه الشركات اتفاقات ومذكرات تفاهم شملت مجالات الاستكشاف والإنتاج وتطوير الحقول، إضافة إلى إجراء دراسات أولية حول إمكانات النفط والغاز غير التقليدي في بعض المناطق. ويرى مراقبون أن هذه الاتفاقات تأتي ضمن رؤية أميركية تعتبر أن إعادة تشغيل الحقول المتوقفة أو رفع كفاءة الحقول المتراجعة في الإنتاج، تمثل المدخل الأسرع لتعزيز الاستقرار المالي في ليبيا، في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على العائدات النفطية. وتقدر بعض التقارير أن الاستثمارات الأميركية في الحقول القائمة من المتوقع أن ترفع الإنتاج من متوسط يراوح بين 1.3 و1.4 مليون برميل يومياً إلى ما يقارب مليوني برميل يومياً، في حال استقرت الظروف التشغيلية والتمويلية. من اللقاءات السرية إلى "الاتفاق التنموي الموحد" لكن المخرجات الأكثر دلالة للمقاربة الأميركية ظهرت في رعاية بولس سلسلة من اللقاءات المباشرة بين ممثلين عن طرابلس وبنغازي عُقدت في روما في سبتمبر/ أيلول الماضي، ثم في باريس في يناير/ كانون الثاني الماضي، قبل أن تتبلور في اجتماع تونس خلال الأسبوع الأول من إبريل/ نيسان المنصرم، والذي أعقبه إعلان "الاتفاق التنموي الموحد" في 10 إبريل. وعلى الرغم من الطابع المؤسسي المعلن لهذا الاتفاق عبر مصرف ليبيا المركزي، عكست طبيعته التقنية والمالية بوضوح أن المدخل الاقتصادي بات يشكل الإطار الناظم للتقارب بين الطرفين، بشكل يفوق أي مسار سياسي تقليدي. ويعكس هذا التدرج في الانخراط الأميركي اتجاهاً واضحاً نحو إعادة تشكيل موقع واشنطن داخل المشهد الليبي، لكنه في الوقت نفسه فتح نقاشاً حول جدوى هذا النهج في ما يخص الجانب الليبي. فبينما تقوم المقاربة الأميركية على فرضية أن الاستقرار يمكن بناؤه عبر توحيد الأدوات المالية وفتح المجال أمام الاستثمارات، تشير المعطيات على الأرض إلى أن الاقتصاد ما يزال رهينة الانقسام السياسي، مع استمرار تحفظات أطراف محلية على هذا التقارب الذي يتم تحت المظلة الأميركية، مما يجعل أي مكاسب اقتصادية عرضة للاهتزاز في حال تعثر التفاهمات بين سلطتي طرابلس وبنغازي. ليبيا في معادلة الطاقة الدولية يعتبر مراقبون أن عودة الاهتمام الأميركي المباشر بقطاع الطاقة الليبي -بعد سنوات من التراجع النسبي- مؤشر إيجابي على التعافي الليبي، وإمكانية أن تخلق هذه المقاربة أفقاً للحل، بينما يرى الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد الدولي، أحمد نصيب، أن الانخراط الأميركي الحالي يرتبط بالتحولات الكبرى التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية؛ بدءاً من تداعيات الحرب في أوكرانيا وصولاً إلى أزمة الخليج الحالية. وأشار نصيب إلى أن الملف الليبي بات جزءاً من هذه التحولات، حيث يسعى بولس إلى نقل ليبيا تدريجياً "من ملف إقليمي هامشي إلى عنصر مرن داخل معادلة الطاقة الدولية". ويلفت نصيب، في حديثه لـ "العربي الجديد"، إلى أن بولس انطلق منذ البداية خارج المسارات السياسية التقليدية التي أثبتت محدوديتها، مركّزاً على مقاربة تنطلق من البنية الاقتصادية، وتحديداً "ملف النفط باعتباره الأداة الأكثر قابلية للتأثير السريع؛ لذا اتجه منذ البداية إلى فتح قنوات مباشرة مع مراكز القوة الفعلية في طرابلس وبنغازي". وفي هذا السياق، يرى نصيب أن بولس تحرك نحو تحقيق نتائج فعلية داخل قطاع الطاقة عبر الدخول المباشر إلى دورة الإنتاج الليبي، بتدرج بدأ بعقود تحديث البنية التحتية، ثم انتقل إلى اتفاقات الاستكشاف والإنتاج والنفط غير التقليدي، في خطوة أراد من خلالها "ألا ينتظر توافق الأطراف، بل رسم خطوط التوافق داخل الإطار الاقتصادي ووضع الجميع أمامها". الإنتاج السريع والبدائل الجيوسياسية كما يشير نصيب إلى أن حراك بولس يتأثر بتطورات سوق الطاقة العالمية، موضحاً أن المحادثات الأميركية الأخيرة المرتبطة بحقول "الواحة" جاءت بالتزامن مع تصاعد أزمة الخليج، مما يعكس توجهاً أميركياً نحو "الإنتاج السريع" بدلاً من المشاريع طويلة الأمد. كما أن الحرب في أوكرانيا دفعت إلى إعادة لفت الأنظار إلى ليبيا بوصفها أحد البدائل العملية لتزويد أوروبا بالطاقة لتقليص الاعتماد على الإمدادات الروسية. وفي قراءة أوسع، يرى نصيب أن المستجدات الدولية، ومنها انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك"، قد تدفع واشنطن نحو "إعادة تشكيل تحالفات الطاقة التقليدية" عبر بناء كتلة طاقة جديدة تضم دولاً منتجة، بينها ليبيا، بهدف تقليص نفوذ التحالفات القديمة. وعن الجانب الليبي، يصف نصيب تجاوب سلطتي طرابلس وبنغازي بأنه "براغماتي أكثر منه استراتيجياً"؛ حيث ينظر الطرفان إلى الانفتاح على واشنطن بوصقه فرصة لتعزيز مواردهما المالية عبر التوسع في توقيع العقود من خلال شركات مرتبطة بهما، كما في حالة شركة "أركنو" المثيرة للجدل. ويحذر نصيب من أن هذا المسار يخلق "معادلة مزدوجة"؛ فمن جهة هناك مكاسب متمثلة في زيادة الاستثمارات، ومن جهة أخرى، يتزايد ارتباط الاقتصاد الليبي بترتيبات خارجية لا تملك الدولة السيطرة الكاملة عليها، كونها مرتبطة بشخصيات محددة داخل طرفي الصراع، مما يجعل الاستقرار "رهين تفاهمات سياسية هشة". ويخلص نصيب إلى أن دخول الشركات الأميركية يسهم في تحسين الأداء وتقليص الهدر، لكنه يوسع مساحة التداخل بين الاقتصاد والسياسة، حيث قد تتحول العقود النفطية إلى جزء من توازنات النفوذ، محذراً من أن أي اضطراب سياسي سينعكس فوراً على الإنتاج.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows