Arab
تدخل بعض الأعمال الفنية تاريخ المتاحف عبر لحظاتِ صعودٍ كثيف، ثم تواصل مسارها داخل الذاكرة الثقافية وفق تحولات السياقين السياسي والجمالي. في هذا الإطار، يحتضن متحف برادو في مدريد معرض "لوحة المجاعة" ضمن سلسلة "عمل واحد، قصة"، خلال الفترة الممتدة من 27 إبريل/نيسان إلى 13 سبتمبر/ أيلول 2026، باعتباره أول معرضٍ في هذه المبادرة، معيداً عرض لوحة "عام المجاعة في مدريد" للفنان خوسيه أباريسيو، بعد غيابٍ تجاوز 150 عاماً عن فضاء المتحف.
أُنجزت اللوحة سنة 1818 في سياق الاحتلال النابليوني لإسبانيا، وقدّمت مشهداً لسكان مدريد في ذروة المجاعة، ضمن بناءٍ بصري مشحونٍ بالدلالات السياسية. يتجلى ذلك في حضور خطاب الولاء للملك فرديناند السابع، حيث تضمّنت اللوحة عبارة "Nada sin Fernando"، ومعناها "لا شيء دون فرديناند"، في تعبيرٍ يختزل موقع العمل داخل منظومةٍ رمزية سعت إلى ترسيخ صورة السلطة في الوعي الجمعي.
سرعان ما تحوّلت اللوحة إلى ظاهرةٍ ثقافية واسعةٍ خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، حيث جرى ترويجها في الأوساط الرسمية وتم نشرها في الصحافة، كما وجدت حضوراً في الأدب والمسرح، مكتسبةً وضعاً قريباً مما يعرف اليوم بالانتشار الشعبي. وتشير المعطيات المرتبطة ببدايات المتحف إلى أنها كانت من أبرز ما يستقطب الزوار، في مرحلةٍ تأسيسيةٍ لم تكن فيها أعمال مثل "لاس مينيناس" قد استقرّت بعدُ في موقعها الراهن داخل الذائقة العامة.
مشهد لسكان مدريد في ذروة المجاعة، ضمن بناءٍ بصري مشحونٍ بالدلالات السياسية
ومع تحوّل السياقات السياسية في إسبانيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإعادة تشكيل الحساسية الجمالية، تغيّر موقع اللوحة داخل خريطة الفن. فقد تراجع حضورها تدريجياً، إلى أن أُخرجت من متحف برادو سنة 1874، في سياق مراجعة الأعمال ذات الطابع الدعائي. أعقب ذلك مسارٌ طويلٌ من التنقل بين مؤسساتٍ مختلفة، انتهى بإيداعها سنة 1927 في متحف التاريخ بمدريد، ما رسَّخ ابتعادها عن مركز العرض الفني لعقود ممتدة.
في هذه المرحلة، ارتبطت اللوحة في بعض الخطابات الثقافية بمؤشرات تراجع الذوق، في مقابل صعود تجارب فنية أخرى، خاصة أعمال فرانسيسكو غويا التي اكتسبت حضوراً متزايداً في تمثيل معاناة الحرب، استناداً إلى معالجة بصرية مغايرة أكثر اتصالاً بالتجربة الإنسانية المباشرة.
يأتي المعرض الحالي، بإشراف القيمين سيليا غيلارت كالديرون دي لا باركا وكارلوس جي نافارو، ليضع هذا المسار موضع قراءة تحليلية، حيث تُعرض اللوحة بوصفها حالة دالة على تحولات الذوق الفني وعلاقته بالبنية السياسية. ووفق مدير المتحف ميغيل فالومير، في تصريحات له "تهدف سلسلة "A Work, a Story" إلى تشجيع النظر إلى الأعمال الفنية خارج حدود قيمتها الجمالية، عبر ربطها بجوانب من تاريخ الفن كثيراً ما تبقى خارج الانتباه".
ضمن هذا التصور، تتم مقاربة "لوحة الجوع" في تفاعل مع سياقاتها التاريخية، ومع أعمال لفنانين مثل خوسيه دي مادراسو وفرانسيسكو غويا، بما يتيح تفكيراً متعدد المستويات في تمثيل الألم والذاكرة داخل الفن الإسباني. كما يندرج هذا العمل ضمن خطٍّ تاريخي يمتد في تصوير الحروب والصراعات، وصولاً إلى أعمال لاحقة مثل غيرنيكا، التي أعادت صياغة هذا الموضوع ضمن أفق بصري مختلف.
تكتسب عودة "عام المجاعة في مدريد" إلى متحف برادو دلالة تتجاوز استعادة عملٍ غائب، لتفتح أفقاً للتأمل في كيفية تشكّل القيمة الفنية عبر الزمن. فالمعرض يقدّم اللوحة باعتبارها نموذجاً لمسارٍ متحوّل، تنتقل خلاله الأعمال بين مواقع متباينة داخل التاريخ الفني، تبعاً لتحولات الذوق والسياق الثقافي، وهو الأمر الذي يجعلها اليوم مادة قراءة جديدة تعيد طرح أسئلة العلاقة بين الفن والسلطة والذاكرة.
