ميلوني بين واشنطن وبروكسل: براغماتية اليمين لمواجهة تحولات الغرب
Arab
9 hours ago
share
لم تعد رئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحرك في المساحة السياسية المريحة التي تمتعت بها منذ وصولها إلى السلطة كأول امرأة في 2022، إذ إن العلاقة التي ربطتها طويلاً بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تعد مصدر قوة، بل تحوّلت تدريجياً إلى عبء داخلي وخارجي، في لحظة تتراجع فيها شعبيتها داخل إيطاليا وتتزايد الضغوط الأوروبية عليها لإعادة التموضع بوضوح داخل المعسكر الأوروبي. في قمة باريس، الجمعة الماضي، حول مضيق هرمز، ظهرت ميلوني صورة مغايرة "مختلفة". ولم يكن الاستقبال الحار من الرئيس إيمانويل ماكرون، واللقاءات مع المستشار الألماني فريدريش ميرز ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حمل دلالات سياسية أعمق، في ظل بحث ميلوني عن سند أوروبي بعد اهتزاز تحالفاتها السابقة. ترامب.. من حليف إلى عبء الهجوم العلني الذي شنّه ترامب على ميلوني بسبب رفضها الانخراط في الحرب على إيران أو السماح باستخدام القواعد الإيطالية، شكّل نقطة تحوّل في العلاقة، وجاء في توقيت بالغ الحساسية لزعيمة قُدّمت طويلاً كأقرب حلفاء ترامب في أوروبا. داخلياً، لا تملك ميلوني هامش مناورة واسعاً، إذ تشير استطلاعات الرأي بثبات إلى أن نحو 77% من الإيطاليين يرفضون الانخراط في الحرب، ويفضّلون الحياد أو إدانة التصعيد. هذا المزاج الشعبي جعل من أي تقارب مع واشنطن مخاطرة سياسية، خصوصاً في ظل المخاوف من تداعيات اقتصادية محتملة. كما زاد التوتر بعد انتقادات ترامب لمواقف أوروبية ودينية حساسة، بينها هجومه على البابا لاوون الرابع عشر، ما وضع ميلوني أمام معادلة صعبة في بلد كاثوليكي: الدفاع عن الرمزية الدينية أو الصمت حفاظاً على تحالفها السياسي، إلا أنا اختارت انتقاد تصريحات ترامب في خطوة شكلت تحولاً لافتاً في العلاقة مع ترامب. انتكاسة داخلية وفقدان الحلفاء الأزمة لا تقتصر على العلاقة مع واشنطن، إذ إن خسارة حليفها السياسي المجري فيكتور أوربان لموقعه شكّلت ضربة رمزية لمعسكر اليمين القومي الأوروبي الذي راهنت عليه ميلوني. كما أن خسارتها الاستفتاء الداخلي الأخير بشأن المؤسسات القضائية أضعفت صورتها كزعيمة قوية لا تُهزم. هذه التطورات مجتمعة دفعت مراقبين إلى وصف وضعها بأنه "أضعف وأكثر عزلة"، إذ فقدت في وقت واحد داعماً دولياً مهماً وحليفاً أوروبياً رئيسياً، بالتوازي مع تراجع ثقتها داخلياً. انعطافة نحو أوروبا.. بين قومية وواقعة ضمن هذا السياق، يبدو انفتاح ميلوني على العواصم الأوروبية خياراً اضطرارياً أكثر منه تحوّلاً أيديولوجياً، في محاولة لإعادة تموضع إيطاليا داخل مركز القرار. وحتى التقارب المحتمل مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، رغم التباينات الحادة، يعكس براغماتية فرضتها الأزمة، حيث يلتقي الطرفان عند رفض التصعيد العسكري في الخليج والتحفظ على استخدام القواعد لصالح واشنطن، وهما غاضبان من التدخل الإسرائيلي في لبنان تحت ضغط رأي عام متقارب. هذا التقارب يظل وظيفياً ومحدوداً، تحكمه ملفات محددة كالأمن والطاقة والهجرة، ولا يرتقي إلى تحالف سياسي متماسك، في ظل خلافات عميقة حول الاقتصاد والتكامل الأوروبي. ومع تراجع علاقة ميلوني بترامب وخسارة دعم أوربان، يصبح تنويع الشراكات داخل أوروبا ضرورة سياسية. يفرض المشهد الراهن تنسيقا ظرفيا تمليه المصالح والضغوط الداخلية، في واقع لم تعد فيه الاصطفافات تُبنى على الأيديولوجيا وحدها، بل على إدارة الأزمات. ورغم هذا الانفتاح، لا تبدو ميلوني مستعدة للتخلي عن جذورها القومية، فهي لا تزال متحفظة تجاه مشاريع "السيادة الأوروبية" التي يدفع بها ماكرون، وتفضّل نموذج التعاون بين الدول على حساب التكامل فوق الوطني، لكن الواقع الجيوسياسي يفرض عليها توازناً دقيقاً يتمثل بالحفاظ على خطابها الداخلي القومي، مع الانخراط عملياً في ترتيبات أوروبية أوسع لضمان موقع إيطاليا في المعادلة الدولية. وتواجه ميلوني معضلة أساسية تتعلق حول ضيق هامش المناورة؛ فهي لا تستطيع المجازفة بخسارة الرأي العام الداخلي، ولا تملك في الوقت نفسه رفاهية القطيعة مع أوروبا. كما أن خيار العودة إلى العلاقة الخاصة مع ترامب لم يعد متاحاً بالشكل السابق، بعد التصعيد العلني والتباينات الاستراتيجية. ما وراء ميلوني: يمين أوروبي يعيد التموضع ما يحدث لا يقتصر على حالة إيطالية، بل يعكس تحولاً أوسع داخل اليمين الأوروبي. وتشير التطورات الأخيرة إلى تآكل تدريجي في قدرة ترامب على لعب دور المرجعية السياسية لهذا المعسكر، إذ لم يعد قادة اليمين الأوروبي مستعدين لاتباعه بشكل تلقائي، خصوصاً عندما تتعارض مواقفه مع حساباتهم الداخلية. في المقابل، لا يعني ذلك انهيار هذا المعسكر. فالتقاطعات الفكرية لا تزال قائمة، خصوصاً في ملفات مثل الهجرة والسيادة والعولمة، هذا إلى جانب استمرار قنوات التواصل السياسية، لكن العلاقة مع واشنطن أصبحت أكثر انتقائية وأقل أيديولوجية، حيث يمكن القول إن هناك تآكلاً واضحاً في نفوذ ترامب داخل اليمين الأوروبي، لكن ليس إلى درجة الانهيار. ما نشهده هو انتقال من "تحالف أيديولوجي متماسك" إلى شبكة علاقات مرنة تحكمها المصالح الوطنية والضغوط الداخلية، ويمكن القول إن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد أزمة علاقات، بل إعادة تعريف لدور إيطاليا في النظام الدولي، ولموقع ميلوني نفسها بين معسكرين: أميركي متقلب، وأوروبي يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال. والسؤال الحاسم لم يعد فقط أين تقف ميلوني، بل كيف ستوازن بين الداخل والخارج، بين القناعة الأيديولوجية ومتطلبات البقاء السياسي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows