Arab
رغم تعهده بإنهاء الاعتماد على الطاقة الروسية، عاد الاتحاد الأوروبي في الأشهر الأخيرة إلى زيادة وارداته من الغاز الطبيعي المسال، في خطوة تتناقض مع أهدافه المعلنة بالتخلص التدريجي من هذه الإمدادات بحلول عام 2027، وذلك تحت وطأة "الذعر" من نقص الإمدادات الدولية بسبب الحرب الإيرانية. وبحسب تحليل أعدّه مركز الأبحاث الاقتصادية "بروغيل"، شهدت واردات الاتحاد من الغاز الروسي المسال ارتفاعاً متواصلاً خلال الأرباع الثلاثة الأخيرة، لتبلغ ذروتها في الربع الأول من عام 2026 عند مستوى قياسي بلغ 6.5 مليارات متر مكعب.
ويرى كبير المحللين في شركة "غلوبال ريسك مانجمنت"، أرني لومان راسموسن، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن ما يحدث "أقرب إلى ذعر ما قبل فوات الأوان"، مشيراً إلى أن بعض الدول تسارع إلى شراء كميات إضافية من الطاقة الروسية قبل إغلاق السوق نهائياً. وتسارع بعض الدول إلى ملء خزاناتها من الغاز الروسي بعد تراجع الإمدادات بسبب توقف الغاز القطري وإغلاق مضيق هرمز. ويشدد راسموسن في السياق ذاته على أنه "على الرغم من أنّ أوروبا تستورد كميات أقل من الغاز القطري المسال، لكنّ توقف إنتاج الدوحة بعد القصف الإيراني، وإغلاق مضيق هرمز، باتا يؤثران سلباً على السوق الدولية".
ويعتقد أنّ "المستفيد الرئيس مما يجري هو روسيا، التي تزيد مداخيلها بينما تتحمل أوروبا التكلفة". الأوروبيون في هذا الإطار يعيشون مفارقة مثيرة للجدل؛ فمن ناحية يفرضون عقوبات على روسيا بعد غزو أوكرانيا في 2022، ومن ناحية أخرى يساهمون في تعزيز مداخيل موسكو بشراء الغاز، رغم أن الأخيرة لديها بدائل تصديرية نحو آسيا.
ما يجري يصفه راسموسن بـ"عاصفة مثالية"، موضحاً أن عدة عوامل تضافرت لرفع واردات الغاز الروسي، أبرزها ارتفاع الأسعار عالمياً، وإغلاق مضيق هرمز بعد التصعيد العسكري، إضافة إلى تعطّل إنتاج الغاز المسال في قطر إثر استهداف منشآتها.
وقد أدى ذلك، وفقاً لتحليله، إلى نقص يقدّر بنحو 20% من إمدادات الغاز المسال في السوق العالمية، ما دفع الدول الأوروبية إلى البحث عن بدائل سريعة، كان أبرزها الغاز الروسي. وفي مارس/آذار الماضي وحده، استورد الاتحاد الأوروبي نحو 2.4 مليار متر مكعب من الغاز الروسي المسال، ضمن إجمالي 11.5 مليار متر مكعب خلال الربع الأول، من أصل نحو 80 مليار متر مكعب من إجمالي واردات الغاز.
ويوضح راسموسن أن هذه الظروف أدت إلى حالة من القلق في السوق، مع ارتفاع الأسعار وتزايد المخاوف من تكرار أزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا سابقاً. كما يشير راسموسن إلى أن انخفاض مخزونات الغاز الأوروبية بعد الشتاء، إلى أدنى مستوياتها منذ 2022، لعب دوراً إضافياً في دفع الدول إلى تعزيز احتياطاتها قبل دخول القيود الجديدة حيز التنفيذ. في المقابل، تلوّح روسيا بوجود مشترين بديلين في آسيا، ما يزيد من حدة المنافسة على الإمدادات المتاحة.
ويخلص إلى أن ما يحدث يمكن وصفه بـ"ذعر في السوق"، حيث يبحث المشترون عن أي مصدر متاح للغاز، بما في ذلك روسيا. ورغم تراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي مقارنة بما قبل حرب أوكرانيا، لا يزال الاتحاد في حاجة إلى بدائل مستقرة. ويرى راسموسن أن الغاز الأميركي المسال يمثل الخيار الأبرز، لكنه لا يخلو من مخاطر سياسية، في ظل إمكانية استخدامه كورقة ضغط من البيت الأبيض، وخصوصا مع اختلاف الحليفين الأميركي والأوروبي في العديد من القضايا السياسية.
كما يشير إلى النرويج كبديل محتمل، لكنه يلفت إلى أن زيادة الإنتاج النرويجي تتطلب وقتاً وتعديلات تنظيمية، وهو ما لا يتناسب مع ضيق الوقت المتاح أمام أوروبا. وتبقى الخيارات الأخرى محدودة، مثل اللجوء إلى الأسواق الفورية بكميات أصغر ومن مصادر متعددة.
ورغم هذه التحديات، لا يتوقع راسموسن تأجيل الحظر الأوروبي على الغاز الروسي، مع احتمال ممارسة بعض الدول، مثل سلوفاكيا والتشيك، ضغوطاً في هذا الاتجاه. لكنه يؤكد أن أمام الاتحاد الأوروبي فترة محدودة حتى 2027 للبحث عن بدائل واقعية. في المجمل، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام مفارقة معقدة: التزام سياسي بقطع الاعتماد على روسيا، يقابله واقع سوقي يفرض قرارات قصيرة الأمد قد تقوّض هذا الهدف، في وقت تستفيد موسكو من هذا التناقض لتعزيز عائداتها.

Related News
المدير الرياضي للأهلي: راجعوا جدولة الدوري السعودي
aawsat
14 minutes ago
الفيحاء... «كيكة كشف الجنين» تحصد تفاعلا واسعا
aawsat
24 minutes ago
غريزمان يتحسر على فرصه الضائعة أمام أرسنال
aawsat
31 minutes ago