Arab
الدولة التونسية تحاكم اليوم وثيقة رسمية نشرتها بنفسها في الرائد الرسمي، واستندت إليها لتربح نزاعاً دولياً.
التقرير الذي اعتُمد حقيقةً قانونيةً حين خدم الدولة، يتحول الآن إلى "وثيقة مزورة" حين أصبح عبئاً عليها.
هذه ليست قضية إجرائية، ولا مجرد ملاحقة قضائية. إنها لحظة كاشفة: حين تدخل الدولة في خصومة مع ذاكرتها وتستخدم القانون لإعادة كتابتها.
لا يمكن قراءة هذه القضية خارج سياق يتجاوز شخص سهام بن سدرين. الصراع هنا ليس حول واقعة قانونية معزولة، بل حول معنى العدالة الانتقالية ذاته: هل تبقى أداةً لمحاسبة الماضي، أم تُعاد صياغتها لتصبح جزءاً من سردية رسمية جديدة تُديرها السلطة؟
المفارقة القانونية: دولة في مواجهة تقريرها
في السادس عشر من نيسان/ إبريل 2026، مثلت سهام بن سدرين أمام الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي، للنظر في قضيتين من جملة ست قضايا فُتحت في حقها على خلفية رئاستها هيئة الحقيقة والكرامة. أُجِّلت الجلسة إلى الثامن عشر من أيار/ مايو، لكنها خرجت بجملة واحدة: "الانتقام ليس منّي، بل من عمل الهيئة، بسبب هذا التقرير".
أنشأت تونس هيئة الحقيقة والكرامة عام 2014 بموجب القانون الأساسي عدد 53، التزاماً دولتياً اختارته تونس طوعاً. قادت بن سدرين الهيئة حتى 2018، وأشرفت على تقريرها الختامي الذي نُشر عام 2020 في الرائد الرسمي، فأضفت الدولة عليه الشرعية القانونية الكاملة وحوّلته إلى سجل رسمي للذاكرة الوطنية.
الاتهام الأبرز هو تدليس التقرير في الجزء المتعلق بنزاع الدولة مع البنك الفرنسي التونسي، نزاع حسمه التحكيم الدولي لمصلحة تونس. الإشكال القانوني بسيط وحاد: الدولة لا تستطيع الاحتجاج بصحة وثيقة حين تخدمها، وبتزويرها حين تُزعجها. هذا ليس حجة دفاعية، هذا انهيار في منطق الاتهام ذاته.
جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أشارت إلى إشكال موازٍ: بن سدرين تواجه ملاحقةً شخصيةً على قرارات اتُّخذت بصفة تشاركية داخل مجلس الهيئة. لماذا هي وحدها من بين أعضاء المجلس؟ سؤال لم تُقدّم النيابة إجابةً مقنعةً عنه.
المسار القضائي وما يكشفه
في الأول من أغسطس/ آب 2024، صدرت بطاقة الإيداع بالسجن. قضت بن سدرين أكثر من خمسة أشهر خلف القضبان قبل أي محاكمة. قرار الإفراج جاء في فبراير/ شباط 2025 من دائرة الاتهام، وليس من قاضي التحقيق الذي رفضه، في مؤشر واضح على أن الاحتجاز لم يكن ضرورة قضائية، بل خياراً. خمسة أشهر في هذا السياق ليست إجراءً وقائياً، إنها عقوبة تسبق الحكم وتُغني عنه.
وتقتضي الأمانة التحليلية عرض حجج الاتهام: النيابة تؤكد وجود وقائع تدليس محددة، وشكاية تقدمت بها موظفة سابقة في الهيئة ذاتها، وتهم تشمل استغلال الوظيفة العامة. غير أن ست قضايا مفتوحة في آن واحد، كلها مرتبطة بعمل الهيئة، يصعب معها تجاهل أثرها التراكمي والتخويفي.
هيئة الحقيقة والكرامة أحالت ستاً وسبعين قضية إلى القضاء المتخصص، ووثّقت آلاف الشهادات. الطعن في مصداقية رئيستها بتهمة تزوير التقرير لا يطاول شخصها فحسب، بل يُلقي ظلاله على كل ما أنتجته الهيئة. والسؤال الذي لا يطرح بما يكفي: من المستفيد من ضرب مصداقية هذا التقرير؟ الإجابة لا تحتاج كثيراً من التخمين يكفي النظر في أسماء من وثّق تقريرها، حقوقهم وانتهاكاتهم.
ما يحدث اليوم ليس مجرد محاكمة.
إنه اختبار لمعنى العدالة نفسها: هل تُستخدم لمحاسبة السلطة على ماضيها أم لإعادة كتابة هذا الماضي على مقاسها؟
حين يتحول القانون إلى سلاح، لا يسقط المتهم وحده، بل يسقط معه المعنى الذي قامت عليه الدولة.
وتلك الفكرة هي ما يُحاكَم اليوم في المحكمة الابتدائية بتونس.
Related News
آمال خليل... القاتل إذ يجاهر بجريمته
alaraby ALjadeed
7 minutes ago