Arab
في غضون 45 دقيقة، يخوض عشّاق العالم الافتراضي تجربة فريدة في الصين تفوق حتى زيارة المعالم والأماكن، يغوصون عبرها في أزمان غابرة أو يطلّون على المستقبل، يستكشفون الفضاء ويشعرون أنهم على سطح القمر أو المريخ
شهد عام 2025 نمواً هائلاً في تقنيات الواقع الافتراضي في الصين، ليس بوصفها أجهزة استخدام منزلية، بل باعتبارها عروضاً تفاعلية تتيح للمشاركين زيارة معالم أجنبية ومحلية تراثية، واستكشاف محاكاة رقمية لأحداث تاريخية، أو الانغماس في عوالم خفية. ومع توقعات بنمو هذا السوق إلى 12 مليار دولار أميركي هذا العام، تُطرح تساؤلات حول كيفية تحوّل تقنية الواقع الافتراضي من وسيلة ترفيهية منزلية غير مثيرة للاهتمام نسبياً إلى منافسة شرسة في السوق العالمية.
يُعدّ مفهوم تجربة الحياة الواقعية حديثاً نسبياً في الصين. ففي عام 2022، انطلق أول مشروع يتيح للجمهور فرصة تجربة حياة واقعية متكاملة. وفي العام التالي، قام العديد من مطوّري تجارب الواقع الافتراضي بتركيز تجاربهم في إطار مدن صينية تاريخية، إذ يمكن للزوّار التجول في شوارعها، والتعرف على حياة الصينيين القدماء، ومقابلة شخصيات شهيرة.
في عام 2024، أُطلقت مشاريع عدّة ذات طابع دولي تركز على الآثار الثقافية والمعالم التاريخية العالمية، مثل الأهرامات في مصر وبرج إيفل في باريس. أحد هذه المشاريع يحمل عنوان رحلة إلى الفرعون المصري، يتيح للمستخدمين الانتقال إلى القاهرة عبر شاشة عرض مثبتة على الرأس، ويتبعون دليلاً ثلاثي الأبعاد بالحجم الطبيعي داخل هرم خوفو الأكبر، ثم يركبون منصة حجرية عائمة إلى قمة الهرم، وفي نهاية الرحلة، يقومون بجولة بالقارب على طول نهر النيل، ويحضرون جنازة خوفو، ثم يحلّقون فوق قمة الهرم للعودة إلى الواقع.
ووفق التقنيات المستخدمة، يمكن لتجارب المستخدمين داخل الفضاء الافتراضي أن تقترب تماماً من تلك التي يختبرونها في الواقع، إذ بالإضافة إلى المشي، تقدّم الشركات الرائدة في هذا المجال تجارب توفّر الإحساس بالجاذبية والمساحة الرأسية لتعزيز التجربة الفيزيائية، مثل صعود السلالم، والمشي على جسر خشبي، وتجاوز العقبات، والغوص تحت الماء، والشعور بالحرارة والبرودة حسب طبيعة المكان ومتطلباته.
وبعد نجاح التجربة محلياً، أُطلق المشروع في دول عدّة، من بينها فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا. وخلال العام الماضي، جرى إطلاق أكثر من 200 تجربة واقع افتراضي محلية الصنع في شرق آسيا وجنوبها، وكذلك في دول أوروبية عدّة. ويبلغ سعر التذكرة في الصين عادةً نحو 100 يوان (نحو 15 دولاراً)، بينما يصل سعرها في الخارج إلى 25 دولاراً، وتستغرق العروض عادةً من 30 إلى 45 دقيقة، يشارك في كل تجربة ما لا يقل عن 120 مستخدماً يجتمعون في صالة واحدة مجهّزة لهذا الغرض.
في مارس/آذار الماضي، زارت الطالبة لو ياو أحد عروض الواقع الافتراضي في مدينة شنغهاي (شرق)، وتقول لـ"العربي الجديد": "عندما ذهبت لأول مرة، لم أكن أحمل توقعات كبيرة، إذ إن الواقع الافتراضي التقليدي عادة ما يقيّد المستخدمين في أماكنهم، وترتكز كل المؤثرات مثل مشاهدة الواقع بزاوية 360 درجة، على النظارة التي يلبسها المستخدم والمجهّزة بعدسة ثلاثية الأبعاد. ولكن في العرض الذي حضرته بعد تشجيع زميلاتٍ خُضن التجربة، بدا الأمر مختلفاً تماماً، وكان أقرب إلى الواقع".
وتضيف: "بدلاً من الاكتفاء بارتداء النظارة فقط، هناك حقيبة توضع على ظهر المستخدم، تخرج منها كابلات تتصل بالذراع، والقدم، بهدف توفير المنبّهات الحسّية للتفاعل مع كل حدث، بالإضافة إلى سمّاعات دقيقة تنقلك إلى عوالم من الأصوات الغريبة، مثل صوت باطن الأرض، وأصوات الآلهة، والأرواح الخفية، فضلاً عن وجود مكيّفات في صالة العرض تعدّل درجات الحرارة حسب الطبيعة الجغرافية للمكان.
وتشير لو ياو إلى أن هذه التجربة بدّدت أفكارها السابقة عن تجارب الواقع الافتراضي الذي كان يقتصر على ما تراه العين عبر شاشة صغيرة، ليصبح أكثر واقعية من خلال توفير أجواء عابرة للزمن، ونابضة بالحياة وبعبق التاريخ. وتضيف: "إنّها تجربة فريدة، لأنها تمثل نافذة تطلّ من خلالها على المستقبل أو تعود عبرها إلى حقب وأزمان غابرة".
من مدينة شينزن (جنوب)، يقول المُبرمج جيانغ شو: "بالمقارنة مع أشكال الترفيه الأخرى، مثل الأفلام وألعاب الفيديو التي اعتُمدت لسنوات طويلة في برامج العالم الافتراضي التقليدية، تقدّم التقنيات الحديثة طبيعة تجسيدية للواقع تقوم على الإحساس باللحظة بكل مكنوناتها، ومع تحسن وتكثيف حزم الاستشعار في تصوير المَشاهد ونقلها للمُشاهد، بات العالم الافتراضي أقرب ما يكون إلى الواقع".
ويوضح لـ"العربي الجديد" أن تقنيات الواقع الافتراضي الحديثة لم تعد تقتصر على وهم الحركة والأبعاد الثلاثية، بل أشركت المستخدمين في التفاعل الحركي والحسّي مع المكان والقصة المصوّرة. على سبيل المثال، يمكن للمستخدمين استكشاف الفضاء بأقدامهم، والشعور بأنهم بالفعل يسيرون على سطح المريخ أو القمر عبر التلاعب بالجاذبية، والتأثير على كتلة الجسم.
ويلفت جيانغ إلى أن معظم العروض المحلية تركّز على التراث الثقافي الصيني، بما في ذلك الأساطير القديمة والسلالات الإمبراطورية، بالإضافة إلى مجموعات متنوعة من الآثار والشواهد الحضارية. كما تشمل المواضيع الشائعة الأخرى التاريخ الطبيعي وعالم الحيوانات الأسطورية، مثل التنين والديناصورات، لأنها تحظى بشعبية كبيرة لدى المجتمع الصيني، وتُعتبر جزءاً أصيلاً من إرثه الثقافي.

Related News
من النهر إلى البحر
alaraby ALjadeed
41 minutes ago
نتنياهو و"يادان"
alaraby ALjadeed
41 minutes ago
بيدرو سانشيز و"الجانب الصحيح من التاريخ"
alaraby ALjadeed
41 minutes ago
حرب السودان "المهجورة"
alaraby ALjadeed
41 minutes ago