Arab
تكشف مقارنةٌ، غير بديهية، بين مشروع قانون يادان في فرنسا والقانون الإسرائيلي الجديد بشأن إعدام الاسرى الفلسطينيين، عن تحوّل مخيف في وظيفة التشريع، وقد تبدّلت لتصبح وسيلةَ رقابةٍ وإقصاءٍ وتكميم أفواه. ففي الحالتَين، هنالك إعادة تعريف لمبادئ أساسية مثل نشر الكراهية وجرائم الإرهاب من خلال صيغ "غائمة" تفتح الباب واسعاً أمام التأويلات، لا الحقائق، وأمام توسيع دائرة تجريم النوايا والمواقف.
أمّا عن مشروع قانون يادان، فقد تقدّمت به النائبة كارولين يادان، من حزب الرئيس ماكرون، ويتعلّق بـ"مكافحة الأشكال المتجدّدة لمعاداة السامية"، من خلال أربعة محاور رئيسة: توسيع جريمة ترويج الإرهاب لتشمل "التحريض المباشر وغير المباشر"، واستحداث جريمة جديدة اسمها "الدعوة إلى تدمير دولة أو إنكار وجودها"، ومنح جمعيات مكافحة العنصرية حقّ الادعاء بوصفها طرفاً مدنياً في قضايا خطاب الكراهية، وأخيراً توسيع نطاق تجريم إنكار "المحرقة" ليشمل كلّ مقارنة بين إسرائيل والنظام النازيّ. ويشتمل النصّ المقترح على عقوبات بالسجن تصل حتى خمس سنوات وغرامة بقيمة 75 ألف يورو لكلّ من يمجّد الإرهاب أو يحرّض عليه، مع إضافة عقوبات تتراوح بين السجن سنةً وغرامة 45 ألف يورو لمن يُقلّل من شأن "الهجمات ضدّ إسرائيل" (!). ومفاده تحويل سلوكيات كانت تضمن حرّية التعبير أو النقد السياسي، إلى أفعال "تحريض" أو "تحريض غير مباشر"، ما يؤدّي إلى احتمال رفع دعاوى ضدّ مقالات صحافية، ومداخلاتٍ أو مظاهراتٍ، وتجريم حقّ التضامن مع الفلسطينيين.
والحال أنّ نقاشاً حادّاً احتدم في الجمعية الوطنية، وسط معارضة جهات يسارية وحقوقية، واحتجاجات شعبية كبيرة وعرائض بآلاف التوقيعات. وقد أعرب مجلس الدولة، وهو أعلى هيئة قضائية إدارية في فرنسا، عن قلقه من مخاطر انتهاك حرّية التعبير، مؤكّداً أنّ القانون الساري حالياً، كافٍ لمقاضاة الأعمال المعادية للسامية، في حين يؤدّي توسيع التعريفات إلى تجريم نقاشات مشروعة قانوناً. كما أشير إلى احتمال ترجمة القانون ضغطاً على الصحافيين والأكاديميين والنشطاء لاعتماد رقابة ذاتية، مع تحوّله معياراً لحماية إسرائيل من أيّ نقد، وتقليص مساحة الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
أمّا عن القانون الإسرائيلي بشأن إعدام الأسرى الفلسطينيين، وذكره في هذا السياق، فلأنّه يقوم على منطق واحد يتفشّى هنا وهناك. فتصنيف الدولة الإسرائيلية "للإرهابيين" إنّما يكشف بنيةً قانونيةً تمييزيةً قائمةً على الفصل بين أنظمة قضائية مختلفة: الفلسطيني يُحاكم أمام قضاء عسكري من خلال إجراءات سريعة وقيود موضوعة على حقّه في الاستئناف، بينما يتمتّع المواطن الإسرائيلي بمحاكم مدنية توفّر له أعلى مستوى من الحماية القانونية. وقد اعتبرته منظّمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية باباً جديداً من أبواب الفصل العنصري، لأنّه يستهدف الفلسطينيين بشكلٍ حصري. هكذا، تلتقي الحالتان في إلغاء حرية النقاش العام؛ ففي فرنسا، يُوسَّع تعريف الكراهية ليشمل أشكالاً من النقد السياسي، وفي إسرائيل، يُعاد تعريف الإرهاب بطريقة تبرّر المضيّ في استخدام العنف "قانوناً". وفي الحالتَين، يفقد القانون حيادَه لكي يتحوّل من إطار ناظم للسلطة، إلى أداة من أدوات عسفها. لكن، يبقى السؤال: أما يزال التشريع تعبيراً عن التزام أخلاقي بالمساواة، أم أنّه بات وسيلةً تعيد إنتاج علاقات القوة تحت غطاء قانوني؟ وهل يُقرأ قانون يادان بوصفه مؤشّراً على تحوّل في علاقة الدولة الفرنسية بحرّية التعبير؟
صحيح أنّ القانون سُحب من جدول أعمال الجمعية الوطنية الفرنسية في 17 إبريل/نيسان، إلا أن من المتوقع طرحه بصيغة معدّلة في يونيو/حزيران المقبل، وهي خطوة تهدف إلى تجاوز الاحتجاجات الشعبية الواسعة والمعارضة البرلمانية، وتُبقي الملفَّ مفتوحاً على مسارات قد تشمل إعادة صياغته مع الحفاظ على جوهره، أو دمجه في تشريع حكومي أوسع. لذا يرى بعضهم أنّ الخطر بات أكبر، في حين قد يمنح تأجيله الوقت لتعزيز المعارضة التي تضمّنت 700 ألف توقيع واحتجاجات واسعة.
في النهاية، يقوم التحدّي الحقيقي الذي تواجهه الأنظمة "الديمقراطية" اليوم، في قدرتها على مقاومة إغراء استخدام القانون وسيلةً لمزيد من السيطرة، في مقابل التمسّك به أداةً أساسية لضمان العدالة وحماية الحرّيات.

Related News
وقف إطلاق النار في لبنان وأزمة نتنياهو
alaraby ALjadeed
49 minutes ago
"بِناء 2027"... اليسار الفرنسي يزداد انقساماً
alaraby ALjadeed
49 minutes ago