حرب السودان "المهجورة"
Arab
2 hours ago
share
و"كلنا في الهوى شرق"، يقول الجار صابر، من التابعيّة السودانية المقيمة في لبنان منذ سنوات، رأس عائلة كبيرة تقيم في زاوية الحيّ همساً، أو من دون جلبة تذكر، لجأت إلى لبنان للعمل هرباً من مذبحة أهلية. يسألنا مراراً عن أحوالنا، ونسأله عن أخبار الأهل في الإقليم السوداني، فيسرد علينا قصصاً مرعبةً وصلت إليه من أبناء عمومته عمّا يجري من عمليات إعدام جرحى، وقتل مسعفين، وفظاعات تطاول الأحياء والأموات "المقصَّبيين" والمذبوحين في حرب المعسكرَين المتنافسَين اللذَين تقع عليهم المسؤولية في تحويل البلاد إلى آلة حرب وذبائح بشرية في الفاشر وغيرها، وهو ما يعكس حدّة التوترات الداخلية التي تقسّم السودان بدمويّة مفرطة وتشريع للفوضى. الصراع على السلطة في السودان لا يهدّد السودان فقط، بل الأمن والسلم الإقليميين تدخل الحرب عامها الرابع مع تصلّب خطوط القتال، وتبدّد مراكز السلطة، والتفكّك. وليس من مخرج واضح من الحرب، بل إعادة إنتاج العنف في هدنة وأخرى على كثير من الضعف والهشاشة، كما حصل بعد انفصال جنوب السودان، ما يعني استمرار التآكل في مفاصل الدولة، بدل تكثيف الجهود في المسار الشاقّ نحو التعافي في واحدةٍ من الأزمات البنيوية، إذ يتجاوز الصراع حدود التنافس العسكري التقليدي إلى صدام بين مفهوم الدولة، بمؤسّساتها القانونية، ومفهوم اللادولة، بالارتداد إلى الولاءات العرقية والقبلية الأوليّة وبروز أمراء الحرب. لم تعد الأزمة تنحصر في اقتتال وانقسام جغرافي بين معسكرَين متحاربَين، بل تمتدّ إلى شبكة عنيفة من الولاءات المتشابكة والاقتصاديات الموازية والصراعات القبلية والعشائرية، والنتيجة عدم الاستقرار، وزعزعة الإقليم، وتناثر خريطة البلاد. على الرغم من إصرار الطرفين في إعلاناتهما المباشرة على أنّهما يقاتلان من أجل الحفاظ على وحدة السودان. لكنّ استمرار الانقسام سيجعل من إعادة لمّ شمل البلاد أمراً أشدّ صعوبة مع الجرائم نفسها، والصمت والحذر والخفوت الدبلوماسي لإخفاء العجز السياسي، والاستسلام لما يحدث، ذلك أنّ اهتمام العالم في مكان آخر، وفي حالة من التراخي الدولي والعربي والإقليمي في قمّة الاتحاد الأفريقي. إنّها "الحرب المهجورة" في الشرق الأوسط التي يجب ألّا تُحجَب من مسرح الإعلام والسياسة إلى جانب حرب أوكرانيا وغزّة ولبنان وصراعات أخرى في القرن الأفريقي، لكن السودان في طليعتها من خلال حجم المآسي في أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقاً للأمم المتحدة من حيث النزوح، وانعدام الأمن الغذائي، ونقص المياه، إذ يستمرّ القتال الذي أسفر عن مقتل نحو 60 ألفاً، وتشريد أكثر من 13 مليون شخص. إلى جانب المفقودين والأمراض، والصدمات النفسية التي بدأت عملياً عام 2011 في جنوب السودان. ويبدو أنّ اتفاقية السلام الهشّة الموقّعة عام 2018 قد انهارت، ما يعني استئناف القتال واستمرار التآكل الداخلي. لا تلوح في الأفق نهايةٌ للنزاع الذي دمّر البلاد، لا سيّما أجزاء واسعة من منطقة دارفور الشاسعة. فالحرب تدمّر في امتدادها كلّ شيء، من بني تحتيّة ومجتمعية، وعاد الاقتصاد السوداني ثلاثين سنة إلى الوراء، وفقاً لدراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتضاعفت معدّلات الفقر المدقع، وتراجعت مستويات الدخل إلى ما كانت عليه في أوائل تسعينيّات القرن الماضي. وحتى في حال إنهاء الحرب، سيظلّ التعافي بطيئاً سنوات. ويبقى السلام بعيد المنال، وبالتالي من الصعب التنبؤ بكيفية الخروج من الدائرة المفرغة من دون الإسراع في عودة فكرة الدولة في مواجهة خطر التفكّك. ويبدو أن الآمال التي عُلّقت أخيراً على تدخّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقوى الإقليمية، من أجل سلام شامل، وخريطة طريق واضحة لإنهاء الصراع على السلطة، وتكثيف جهود الإغاثة الإنسانية وعودة النازحين، قد تلاشت بسبب الحرب الأميركية على إيران، ومعها مادّة إعلانات سياسية كان قد أطلقها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس بأنّ بلاده تشهد تحوّلاً جذرياً في سياستها تجاه السودان ونزاعات أخرى في الكونغو ورواندا وغينيا وليبيا، وأنّها اتخذت خطوات عملية لوقف الاقتتال، وأنّها ترفض الحلول العسكرية بشكلٍ قاطع وتؤمن بالحلول السلمية والدائمة بين جميع الأطراف، ما يضمن استقراراً طويلَ الأمد في القارّة الإفريقية. لذلك، تتجّه أصابع الاتهام إلى المجتمع الدولي والاصطفافات الإقليمية في الدعوة التقليدية إلى تهدئة صراع سلطوي يهدّد ليس السودان فقط، بل الأمن والسلم الإقليميين، بين رئيس المجلس السيادي الحاكم عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي كان نائباً له، إذ اشتركا معاً في وضع نهاية لمسار التداول السلمي الديمقراطي للسلطة، وللتنمية المتوازنة والتعايش بين التنوّع الثقافي والعرقي والعدالة الإنتقالية في المرحلة التي أعقبت سقوط عمر البشير. لا يبدو أنّه يمكن للجانبين تحقيق نصر حاسم، والنتيجة استمرار القتال، فيمارس الجيش سيطرته على المناطق الشمالية والشرقية والوسطى، بما في ذلك الموانئ ومصافي النفط وخطوط الأنابيب التابعة لها، بينما تسيطر قوات الدعم السريع وحلفاؤها على دارفور ومناطق في إقليم كردفان. وتشمل المنطقتَين العديد من حقول النفط ومناجم الذهب. وقد تمتدّ الحرب إلى ما وراء هذه الخطوط وهذه الحدود، ما يجعل الصراع أكثر تعقيداً، أبعد من حلّ مليشيا الدعم السريع وترحيل المرتزقة الأجانب. حرب السودان أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقاً للأمم المتحدة، نزوحاً وانعداماً للأمن الغذائي ونقصاً في المياه لذلك، سيبقى العالم مجدّداً في مواجه اختبار مأسوي يحمل سمات كبيرة من حرب الإبادة، التي تُمارَس بحقّ الشعب السوداني، فتتحوّل مساحة السودان إلى مدينة مقابر لأولئك الذين لم يتمكّنوا من الفرار، والمحاصرين بالحرب منذ اندلاعها في إبريل/نيسان 2023، الذين لجأوا إلى المدارس والمساجد والساحات الخلفية والأرصفة، وأصبحت جميعها مواقع دفن مؤقتة. كان القتال دموياً للغاية، فالجثث تُرِكت في الشوارع والطرق والمنازل والمناطق المنهوبة، ومنها المتحف الوطني. ويحصي الصليب الأحمر أكثر من 11 ألف شخص في عداد المفقودين، فيما يقول خبراء الأمم المتحدة في الأمنين الصحّي والغذائي إنّ نحو 34 مليون شخص أو ما يقرب من اثنين من بين كلّ ثلاثة سودانيين بحاجة إلى مساعدة غذائية وصحّية، إذ يرتفع عدد الذين يعانون من سوء التغذية، في ظلّ تفشّي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا. ولا يعرف أحد ماذا سيحدث في مقبل الأيام. لا يطمع السودانيون في العودة إلى الوضع الطبيعي، فقط في مساعدتهم في محاولة الصمود والبقاء على قيد الحياة، وما يضمن لهم التوافق حول أيّ تسوية. أيّ شيء يعود بهم إلى المربّع الأوّل في الرهان مجدّداً على كيان الدولة، وعلى تمكين المجتمع المدني من النهوض، مع مساءلة فعّالة وتمويل عاجل والإنصاف بين الولايات.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows