Arab
لم يصدّق الرئيس الأميركي، ترامب، من نبّهه إلى أنه يستطيع أن يبدأ الحرب، لكنّه لن يتمكّن من إنهائها كما يريد، بل صدّق وعود نتنياهو وضماناته الاستخبارية التي أمدّه بها جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، ومفادها بأنّ ضربة استهلاليّة كبرى يُقتل فيها المرشد الإيرانيّ وبعض القادة سيليها سقوط سريع للنظام، وهذا ما لم يحدُث، فكان الفشل الأول الذريع الذي "خربط" كل الحسابات. خطأ في التقدير جرّ مجموعة متلاحقة من الأخطاء، أبرزها وهم حسم المعركة ضد الجمهورية الإسلامية بالطيران وقصف مواقع محدّدة وبنى عسكرية ومدنية، وهذا أيضاً مخالفٌ للأصول الحربية التي تؤكّد تاريخياً أن الطيران وحده لا يجلب انتصاراً ما لم يتبعه غزو برّي على الأرض. وقد بات المسؤولون العسكريون الأميركيون والإسرائيليون يرون الآن أن إسقاط الدولة الإيرانية يكاد يكون مستحيلاً بالضربات الجوية فقط، فهذا الأسلوب لم ينجح في الماضي قطّ.
يبحث دونالد ترامب اليوم عن مخرج الطوارئ في ساحة المعركة، فلا يعثر عليه. حاول كل شيء، من التهديد بضرب إنشاءات الطاقة والكهرباء وتدمير الجسور، إلى فرض الحصار على الموانئ الإيرانية، إلّا أنّه لا يجد المخرج الأكيد والمضمون من حربٍ بدأها وشريكه الحبيب بيبي، ويتخبّط في الحلول والأفكار والقرارات بشأنها. يمكن القول إنّها هزيمة فكرية أيضاً، بعد العسكرية والاستراتيجية، فالهزائم التي يتكبّدها الغرب باستمرار تتجاوز ساحة الحرب لتشمل رؤية وفهم طبيعة الحروب غير المتكافئة وأبعادها الاقتصادية والسياسية. وينطبق ذلك في شكل خاص على إيران، إذ لم يعِ الأميركيون أن "الطرف الآخر" يملك استراتيجية ذات مقوّمات اقتصادية وسياسية، فضلاً عن العسكرية، يستخدمها. ففي الجانب العسكري، تبنّى الإيرانيون مفهوماً جديداً للحرب، مرتكزاً على الصواريخ والطائرات المسيّرة والاستعدادات الدفاعية، مقابل عجز الأميركيين عن فهم هذه التطورات واستيعابها كاستراتيجية خاصة بالحروب غير المتكافئة. شرارة هذا التحوّل الإيراني انطلقت منذ التدمير الكامل الذي ألحقته الولايات المتحدة بالقيادة المركزية العراقية عام 2003، نتيجة هجوم جوي مكثّف استمرّ ثلاثة أسابيع على بغداد. مذّاك استقى الإيرانيون الدروس والعبر، ووضعوا تصوّراً لاستراتيجية دفاعية لحرب مماثلة غير متكافئة. ففي ظل عدم امتلاكها شيئاً يضاهي قدرات الولايات المتحدة الجوية، وإمكانات الرصد العالية لديها، كان الحل الأول لإيران إخفاء أقل قدر ممكن من بنيتها العسكرية عن الأنظار، بحيث لا يمكن رصدها من الجو، ودفنها على عمق بعيد عن متناول القنابل الخارقة. أضحت الصواريخ المخزّنة في الأعماق وبطون الجبال "قوة جوية" إيرانية، بديلة من القوات الجوية التقليدية. خزّنت إيران الصواريخ أكثر من 20 عاماً. والحلّ الآخر كان تقسيم البنية التحتية العسكرية إلى قيادات إقليمية مستقلة، بغية توزيع مراكز القيادة، بحيث يمتلك كلّ منها مخزوناً منفصلاً من الذخائر ومنصّات الصواريخ المنفصلة، وعند الاقتضاء قوات بحرية ومليشيات خاصة بها. صُمّمت الآلة العسكرية الإيرانية لتكون في حال وقوع ضربة "قطع الرؤوس" للعمل كآلة انتقام فورية ولامركزية لا يمكن إيقافها أو السيطرة عليها بسهولة.
لا يدري ترامب الآن ما ينبغي فعله، فهو مرتبك وعاجز عن إيجاد مخرج من هذا المأزق، فالخيارات أمامه محدودة، بين استئناف حرب لن تفضي إلى حسم، أو التفاوض الصعب، أو إعلان النصر (الزائف) والانسحاب. وغير متوافرة الطريقة السهلة لإعادة فتح مضيق هرمز، إلا عبر تقديم تنازلات جوهرية لإيران والاعتراف الصريح بسيادة إيرانية على هذا الممر المائي الحيوي. كذلك إن فتح المضيق يتضمّن أيضاً شرط وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان. ولا أمل كبيراً للأميركيين في إرغام إيران على تسليم اليورانيوم المخصّب لديها، وتستحيل مصادرته بعملية عسكرية يتوهمها ترامب ومعسكره الأخرق. ولا مجال أيضاً لتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، المنتشرة في طول البلاد وعرضها، ولن ترضخ السلطة الإيرانية للمطلب الأميركي ـ الإسرائيلي العبثيّ بوقف تطوير الصواريخ الباليستية، فهل تتخلّى إيران عن سلاحها الدفاعي الأول الذي قطعت أشواطاً في تطويره بنجاح تكنولوجيّ خارق أدهش الحلفاء والأصدقاء قبل الأعداء.
يُتوقّع أن تزداد إيران قوة مستقبلاً وتتمكن من ترميم ما خسرته وتعويضه بمزيد من القدرات الصاروخية
يمكن القول إن إيران حقّقت أهم انتصار استراتيجي في هذه الحرب، بسيطرتها على مضيق هرمز. كان هذا المضيق الحيوي حتى الماضي القريب مجرّد ورقة تهويلية بيد إيران، فتحوّل إلى موضوع سيطرة استراتيجية واقعية يصعب إيجاد حلّ لها. باتت إيران في موقف قوي من خلال تسجيلها فوزاً بالنقاط الاستراتيجية المتصلة بالمستقبل لا بـ"الانتصارات" الوهمية الآنية من نوع إلحاق الضرر بالبنى الاقتصادية والمدنية الحيوية التي تسهل إعادة بنائها، فيما تخسر الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الحرب بالنقاط الاستراتيجية، فيغادر نتنياهو وترامب ميدان المعركة خائبين، فيما يُتوقّع أن تزداد إيران قوة مستقبلاً وتتمكن من ترميم ما خسرته وتعويضه بمزيد من القدرات الصاروخية التي أثبتت فاعليتها سلاحاً رادعاً ضدّ المعتدين، علماً أنها أضرّت بعلاقاتها مع جيرانها من دول الخليج.
البحث عن مخارج هو عنوان المرحلة. أميركا تبحث عن مخرج النجاة في الوقت المناسب تلافياً لمزيدٍ من الغرق في مستنقع حربٍ غير معروفة النتائج، وفي الذاكرة القريبة حروب فيتنام والعراق وأفغانستان. ونتنياهو يبحث بدوره عن مخرج من أوهامه الكثيرة، المبنية على شعور واهم بفائض القوة تحطّم في إيران وفي لبنان أيضاً عند مشارف الخيام وبنت جبيل. إنّه مصير من يدخل حرباً غير محسوبة النتائج، ولا تتوافر فيها مخارج طوارئ (Exit) كسائر الأبنية والقاعات والملاعب المقفلة.

Related News
صراع الساحات
alaraby ALjadeed
1 hour ago