Arab
سجلت أسعار الدواجن في ليبيا ارتفاعاً حاداً خلال الربع الأول من عام 2026، لتصل إلى نحو 29.5 ديناراً (4.6 دولارات) للكيلوغرام في بعض المناطق، في تطور يعكس تداخل عوامل داخلية مرتبطة بكلفة الإنتاج وسعر الصرف، مع ضغوط خارجية متزايدة تتصل بأسواق الغذاء العالمية والطاقة، وفق بيانات رسمية وتصريحات لجهات رقابية. وأفادت بيانات مكتب الأسعار بوزارة الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية أن متوسط سعر الدجاج الوطني ارتفع من 11 إلى 17 ديناراً للكيلوغرام في يناير/كانون الثاني الماضي، وإلى نحو 25 ديناراً بنهاية مارس/آذار الماضي، فيما بلغ في بعض المناطق 29.5 ديناراً. وأشارت البيانات إلى أن الأسعار كانت تشهد عادة ارتفاعاً موسميّاً يعقبه تراجع، غير أن الارتفاع الحالي يُعد من بين الأعلى خلال السنوات الأخيرة في سوق لحوم الدواجن.
وقال مدير مكتب بيانات الأسعار المحلية في شبكة ليبيا للتجارة التابعة لوزارة الاقتصاد، وئام ساسي، إن هذا التفاوت يعكس اختلالات في التوزيع وتبايناً في كلفة النقل وسلاسل الإمداد بين المناطق. وأوضح ساسي أن قطاع الدواجن يعتمد بأكثر من 80% على مدخلات مستوردة، تشمل الأعلاف وأمهات الدواجن واللقاحات والمعدات، مضيفاً أن أي تغير في سعر الصرف ينعكس بشكل مباشر وسريع على كلفة الإنتاج النهائية. وفي سياق متصل، سجلت أسعار الأعلاف في ليبيا ارتفاعاً ملحوظاً منذ مطلع عام 2026، بنسب تراوح بين 25% و40% بحسب النوع ومنطقة البيع، في ظل اعتماد شبه كامل على الاستيراد لتأمين الذرة وفول الصويا ومكونات الأعلاف المركبة.
زيادة تكاليف الإنتاج
وقال عاملون في قطاع تربية الدواجن وموردون لـ"العربي الجديد" إن أسعار علف البياض ارتفعت من نحو 240 إلى 325 ديناراً للقنطار (100 كيلو غرام)، فيما صعد علف التسمين من 305 إلى 380 ديناراً، بزيادة تقارب 30%، ما انعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج وهوامش الربح. وأكد مورد سلع زراعية، مسعود أبو سرويل، أن اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتغير أسعار الحبوب في الأسواق الدولية أسهما في زيادة الكلفة النهائية للأعلاف، ما ينعكس مباشرة على المنتجين المحليين الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة على هامش الربح. وعزا هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، أبرزها تقلبات أسعار الشحن البحري والتأمين، وارتفاع كلفة الاستيراد المرتبط بأسعار السلع الزراعية عالمياً، إضافة إلى تذبذب سعر صرف الدينار الليبي مقابل العملات الأجنبية.
وفي المقابل، اتجه جزء من المستهلكين إلى الدجاج المجمد المستورد بديلاً أقل تكلفة، بأسعار تراوح بين 15.5 و18.5 ديناراً للكيلوغرام، أي أقل بنحو 35% من المنتج المحلي، ما يعكس تحولاً تدريجياً في أنماط الاستهلاك تحت ضغط القدرة الشرائية. وقال أحد المواطنين، عبد السميع بيترو، لـ"العربي الجديد" إن أسعار الدجاج "لم تعد تتناسب مع مستوى الدخل"، موضحاً أن الارتفاعات الأخيرة أجبرته على تغيير نمط استهلاكه الغذائي. وأضاف: "كنا نعتمد على الدجاج خياراً أساسياً لأنه أقل تكلفة من اللحوم الحمراء، لكن الآن أصبح حتى هذا الخيار مرهقاً"، مشيراً إلى أنه بات يشتري كميات أقل، أو يلجأ أحياناً إلى الدجاج المجمد باعتباره البديل الأرخص. وأوضح أن هذا التحول لا يقتصر عليه فقط، بل يشمل شريحة واسعة من الأسر، قائلاً: "حتى داخل العائلة، بدأنا نعيد حساب أولوياتنا في المصروف اليومي، ونقلّص من بعض المواد الغذائية بسبب الغلاء"، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية يضع المستهلك أمام خيارات محدودة في ظل ثبات الدخل أو تآكله.
هامش ربح صفري
في المقابل، قال أحد مربي الدواجن، سامي المشاط، في منطقة جنزوري غرب طرابلس، إن "الضغط الحقيقي ليس فقط في سعر البيع، بل في كلفة الإنتاج"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن الأعلاف تمثل النسبة الأكبر من التكاليف. وأضاف: "أسعار العلف ارتفعت بشكل كبير خلال فترة قصيرة، ومع ارتفاع الدولار وتكاليف النقل، أصبحنا نعمل بهامش ضيق جداً، وأحياناً دون ربح فعلي"، مشيراً إلى أن بعض المربين خفّضوا حجم الإنتاج أو أوقفوا نشاطهم مؤقتاً بسبب الخسائر المتكررة. ويرى المحلل الاقتصادي علي الزليطني أن اضطرابات الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً، إلى جانب تقلبات أسواق الطاقة، أسهمت في زيادة كلفة استيراد الأعلاف، بما في ذلك الذرة والصويا، وهما مكوّنان أساسيان في تربية الدواجن داخل ليبيا، ما يربط السوق المحلية بشكل غير مباشر بالتوترات الجيوسياسية في الممرات البحرية الدولية.
وأشار، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن أي توتر في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة النفط العالمية، يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار الغذاء في الدول المعتمدة على الاستيراد، بما فيها ليبيا، رغم عدم ارتباطها المباشر بالنزاع. وبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، بلغ إنتاج ليبيا من لحوم الدواجن نحو 130 ألف طن في عام 2022، في حين يُقدّر استهلاك الفرد بنحو 9.3 كيلوغرامات من البيض سنوياً، وهو دون المتوسط العالمي، ما يعكس فجوة بين مستويات الإنتاج والاستهلاك.

Related News
صراع الساحات
alaraby ALjadeed
37 minutes ago