"كلّ رجال الرئيس" في الـ50: تذكير بمعنى الصحافة في زمن ترامب
Arab
1 hour ago
share
الاحتفاء بذكرى مرور 50 عاماً على بدء أول عرض تجاري أميركي لها، في راهنٍ يعاني انهيارات شتى في العالم تُصيب مستويات عيش وحياة وعلاقات ومهناً، يؤكّد مجدّداً أنّ أفلاماً كثيرة مُنجزة في أعوام ماضية (وبعض الماضي بعيدٌ في الزمن) تحتفظ بجمال قراءاتها السينمائية أحوالاً وحكايات ووقائع، تؤشّر (القراءات السينمائية) إلى لاحقٍ بها، وبعض اللاحق يُصبح راهناً. استعادة "كلّ رجال الرئيس" (1976) لآلن جاي. باكولا بهذه الذكرى، في الفترة الرئاسية الثانية لدونالد ترامب تحديداً، يقول (التذكّر) إنّ الصحافة (والإعلام) بحاجة ماسّة إلى انتفاضة، مهنية وأخلاقية قبل أي شيء آخر، لعلّها بانتفاضة كهذه تستعيد بعض ألقها، المتمثّل (البعض) بمعنى أنْ يكون المرء صحافياً (إعلامياً)، يحترف المهنة بأصولها ومفرداتها، وبأخلاقياتها أيضاً. إذْ تمرّ الذكرى الـ50 تلك، قبل أيامٍ قليلة (7 إبريل/نيسان 1976 في نيويورك ولوس أنجليس، 9 إبريل/نيسان نفسه في الولايات الأميركية الأخرى)، تزامناً مع حرب أميركية (أيجوز وصفها بـ"حرب ترامبيّة"؟) إسرائيلية ضدّ إيران (28 فبراير/شباط ـ 8 إبريل/نيسان 2026) ولبنان (2 مارس/آذار 2026 ـ منتصف ليل 16/17 إبريل/نيسان 2026)، فالاحتفاء بها عالمياً غير واضح، ربما لأنّ الحرب أشدّ هولاً من انهيار مهنة، في الغرب عامة (هناك استثناءات قليلة طبعاً). والفيلم، الذي يُثير اهتماماً نقدياً في فترات مختلفة ومن دون أسباب مباشرة غالباً، يبقى أحد المراجع السينمائية للمعنى الأصدق للمهنة، رغم استناده إلى حدثٍ واقعي، يُصدّع حُكم الرئيس ريتشارد نيكسون (يُقدِّم استقالته مُرغماً في 9 أغسطس/آب 1974)، كما يُفترض بالصحافة والإعلام أنْ يفعلا: فضيحة ووترغيت (1972 ــ 1974). الفضيحة معروفة تفاصيل كثيرة منها. الفيلم مُشاهَد بوفرة أعواماً مديدة، إذْ يذكر موجو بوكس أوفيس (موقع متخصّص بأرقام صناعة السينما) أنّ إيراداته الدولية تبلغ 70 مليوناً و603 آلاف و656 دولاراً أميركياً، علماً أنّ ميزانية إنتاجه تساوي ثمانية ملايين ونصف مليون دولار أميركي، بحسب ويكيبيديا (باللغة الإنكليزية). رغم هذا، يُمكن استعادة حكايته، باختصار: صحافيان في صحيفة ذا واشنطن بوست، كارل برنشتاين (داستن هوفمان) وبوب وودوورد (روبرت ريدفورد)، يكشفان "أكاذيب وفساداً" حاصلة كلّها في العملية السرّية لأناس تابعين للرئيس ريتشارد نيكسون، للتنصّت على مكاتب الحزب الديمقراطي في مبنى ووترغيت. "بعد مرور 50 عاماً، يُصبح تصوير الفيلم للصحافة الاستقصائية الدؤوبة، ولقوة الصحافة، أهمّ من أي وقت ماضٍ"، كما تكتب إدارة تحرير "واشنطن توداي" (9 إبريل/نيسان 2026)، مُضيفة أنّه، "في ظلّ تزايد انقسام المشهد الإعلامي وتسييسه، يُذكّر "كل رجال الرئيس" بالدور الحيوي للصحافة في محاسبة أصحاب النفوذ"، علماً أنّ "احتفاء" الفيلم بعملية التحقيق وشجاعة وودوورد وبرنشتاين "يُلقي بظلاله على عصر، تتعرّض فيه مصداقية الصحافة للهجوم باستمرار"، كما تستعيد الصحيفة قولاً لروجر إيبرت، أحد أبرز النقاد السينمائيين الأميركيين، عنه: "إنّه يُقدّم أكثر دراسة دقيقة عن الصحافيين العاملين التي يُحتمل أن نراها في فيلم روائي طويل". لكن روجر إيبرت لن يكون متساهلاً كثيراً معه. ففي مقالة له (منشورة في موقعه الخاص)، يكتب أنّ فيلم باكولا "أقرب إلى فن الصحافة منه إلى فن سرد القصص"، وأنّ "هذه مشكلته"، فالفيلم "دقيق قدر الإمكان في تصوير أساليب الصحافيين الاستقصائيين. مع ذلك، تطغى هذه الأساليب في النهاية على السرد". يرى الناقد الأميركي أنّ مشاهد الفيلم "تائهون في بحر من الأسماء والتواريخ وأرقام الهواتف، والمصادفات والفرص المؤاتية، والخيوط المضلّلة، والعمل الدؤوب، والإنكار والمراوغة، وأحياناً حتى الحقيقة نفسها". يذكر أيضاً التالي: "صحيح أنّ آلاف التفاصيل هذه تؤدّي إلى فضيحة ووترغيت واستقالة نيكسون، لكن الفيلم يركّز على التفاصيل أكثر من تركيزه على نتائجها". وهذا، من دون إنكاره أهمية الفيلم سينمائياً وصحافياً. أمّا ديفيد سميث (صحيفة ذا غارديان البريطانية، 5 إبريل/نيسان 2026)، فيكتب فقرة تُلخّص بعض جماليات الصورة السينمائية: "حفيف دفتر ملاحظات. صوت نقرة غطاء قلم. يجلس داستن هوفمان على أريكة مزخرفة بنقوش زهرية، بشعر طويل، وياقة عريضة، ونظرة نحيلة متلهّفة. في الجهة المقابلة، تجلس جين ألكساندر (أحد المصادر الأساسية لكشف الفضيحة)، مرتدية فستاناً أزرق بأزرار، محاصرة ومتوترة في ضوء مصباح طاولة خافت. في هذه الحصة التمثيلية المتقنة، التي تُشعر بالتوتر والاختناق، لا يوجد (مجرّد) تفصيل صغير جداً". إنْ يكن الاحتفاء بفيلم "كل رجال الرئيس" تذكيراً بأهمية الصحافة الاستقصائية، مهنة وأخلاقيات، في زمن انهيارات المهنة والأخلاق في الغالبية الساحقة من الصحافة والإعلام الأميركيين، خاصة في زمن دونالد ترامب، فإنّه (الاحتفاء نفسه) تذكيرٌ (أيضاً) بجماليات سينمائية، رغم حسّه "التقريري" في سرده الحكاية، أحدها أداء الثنائي هوفمان وريدفورد، وللثاني تجربتان سينمائيتان لاحقتان، أولى عام 1996 مع "لقطة مُقرّبة وشخصيّ" (Up Close And Personal) لجون آفنت، وثانية عام 2015 مع "حقيقة" (Truth) لجيمس فاندربيلت، علماً أنّ لهوفمان تجربة أخرى في المجال نفسه، تتمثّل في "مدينة مجنونة" (Mad City) لكوستا غافراس (1997). الفيلم المستند إلى كتاب بالعنوان نفسه (1974) لوودوورد وبرنشتاين، يُنجَز في لحظة ارتباك أميركي، في الداخل والخارج، تتزامن مع لحظة تحوّل فعلي في المسارَين المهنيَّين لريدفورد وهوفمان. وإذْ يُكمِل (الفيلم) نصَّ الكتاب، فالسينمائيّ فيه واضح وباهر. الاشتغال عليه محتاجٌ إلى وقتٍ، لجعل السيناريو حقيقياً، ما يدفع ريدفورد إلى تمضية أوقات في مبنى الصحيفة لفهم مناخها، ومراقبة عاملين وعاملات فيها ليتبيّن كيفية العمل وآلياته، واكتشاف النبرة، المرتبطة مباشرة بأصول المهنة ومتطلبات الصحافة الاستقصائية، وتلك المتعلّقة بـ"اللكنة" الخاصة بمن يعمل في المؤسّسة. استعادة المُشاهدة تُنبِّه إلى أداءٍ (هوفمان وريدفورد تحديداً)، يُراد منه أنْ يعكس تقنيات الوظيفة، وثقل الفضيحة، وآلام الراهن في السياسة، وحرب فيتنام، والفساد في كواليس السلطة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows