Arab
تُعقد اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، خلال الفترة من 13-17 إبريل/ نيسان الحالي، سنوياً لتتناول مواضيع معتادة منذ سنوات تتعلّق بالتحديات المناخية وأعباء الديون في الدول النامية، الفقر والبطالة، والتحولات الرقمية في المنظومة المالية وغيرها من المواضيع الملحّة على صناع السياسة.
وفي العادة فإن هذه الاجتماعات بروتوكولية وتتسم بأنها خفيفة، لأنها تمهّد للاجتماعات السنوية التي تعقد في سبتمبر/ أيلول من كل عام والتي يكون حضورها أكبر والنقاشات فيها مختلفة. غير أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير/ شباط الماضي غيّرت الأجندة السنوية المفترضة للمؤسستين الدوليتين، وأجبرت اقتصاديي العالم وصانعي السياسة فيه على التخلي عن نقاشاتهم المعدة مسبقاً والاستجابة لصدمة اقتصادية جديدة ما زالت فصولها تتشكل.
قبل اشتعال الحرب على إيران، كانت وثائق التحضير لاجتماعات هذا العام تتحدث عن ثلاثة محاور رئيسية: أولها مناقشة آليات تمويل التنمية في ظل تصاعد أعباء الديون السيادية على الدول الفقيرة إلى مستويات قياسية، وثانيها مراجعة دور صناديق الثروة السيادية في ظل التحولات التقنية، لا سيما الذكاء الاصطناعي، وثالثها التنسيق بين السياسات النقدية للدول الكبرى في مرحلة ما بعد دورة رفع أسعار الفائدة الذي كان متوقعاً. إلا أن هذه المحاور الثلاثة رغم أهميتها تراجعت من قائمة الأولويات وحل محلها سؤال يتعلق بمسار الاقتصاد العالمي وسط الصدمة العالمية في سلاسل التزويد وإمدادات الطاقة.
بنظرة إلى واقع هذا الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب، نجد أن أسواق النفط كانت أول من دفع الثمن، إذ ارتفع سعر برميل النفط من حوالي 72 دولاراً عند اندلاع الحرب إلى ما يزيد على 106 دولارات في غضون أسابيع قليلة بنسبة تجاوزت 40%، وضمن ذات السياق أعلن صندوق النقد الدولي قبيل انطلاق الاجتماعات أنه سيخفض توقعاته للنمو العالمي، فيما سيرفع تقديرات التضخم، وقد خفض البنك الدولي توقعاته للنمو في منطقة الشرق الأوسط (باستثناء إيران) من 3.6% إلى 1.8%، فيما تراجع توقعات النمو في دول الخليج المصدرة للطاقة رغم الارتفاع الذي حصل في أسعار النفط من 4.4% إلى 1.8%، ما يعكس جسامة الخسائر.
وما يجعل هذه الأزمة مختلفة عن سابقاتها أنها لم تقتصر على النفط وأسعار الغاز الطبيعي، بل امتدت لتشمل قطاعات أخرى مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالأحداث، إذ اضطرت شركات الطيران والتأمين إلى إعادة رسم مساراتها بعد إغلاق المجال الجوي في ممرات حيوية تربط أفريقيا بآسيا وأوروبا، مما أضاف أعباء إلى تكاليف النقل العالمي، كذلك تأثرت السلع الزراعية والأسمدة بالارتباكات الحاصلة في الممرات المائية، وعلى المستوى الأشمل باتت هناك مخاوف حقيقية من الوقوع في فخ الركود التضخمي، أي تزامن تراجع النمو مع ارتفاع التضخم في نفس الوقت. وهو ما كان بعيداً جداً عن التوقعات مطلع العام الجاري.
وحتى الآن لا تتوزع تداعيات هذه الحرب بالتساوي على دول العالم، فالأكثر تضرراً تتركز في الدول النامية غير المنتجة للنفط والتي تواجه معادلة صعبة، إذ إن مدفوعاتها على واردات الطاقة تضاعفت فيما تراجعت قدرتها على الاستدانة بعد سنوات من تراكم المديونية وتحديات سدادها، في ظل تواضع معدلات النمو وتراجع الطلب العالمي.
كذلك فإن التضخم في الأسواق الناشئة قفز من توقعات سابقة بنحو 3% إلى ما يقارب 5%. ورغم صعوبة الحديث عن "رابحين من الحرب"، فإنّ بعض الدول، مثل الولايات المتحدة وروسيا، تُعدّ مستفيدةً من ارتفاع الأسعار ودورها المتنامي في سلاسل التزويد.
وفي حال استمرار أمد المعارك والإغلاقات، فإن الكثير من الدول النامية ستتأثر سلباً من ناحية تأمين الاحتياجات الأساسية وفقاً لتقديرات المؤسسات الدولية، وهو ما يبرر تغيير الأجندة لاجتماعات الربيع، ولمواجهة ذلك لجأت المؤسستان الدوليتان إلى إعلان حزم مالية طارئة، إذ أعلن البنك الدولي استعداده لضخ ما يصل إلى 25 مليون دولار بسرعة للدول الأكثر تضرراً مع إمكانية الوصول إلى 60 مليوناً على المدى البعيد، كذلك أعلن صندوق النقد الدولي عن استعداده لتقديم ما يصل إلى 50 مليون دولار في شكل مساعدات فورية والتي قد لا تكون كافية إذا طال أمد النزاع بسبب الأضرار الهيكلية في سلاسل الإمداد والثقة بمناخ الأعمال التي تراجعت بحدّة بسبب ما يحصل.
من الواضح أن الأوضاع الاقتصادية لن تعود إلى ما كانت عليه حتى في أفضل السيناريوهات خلال فترة قصيرة، حيث تعمق الصدمة الحالية نتائج الأزمات المتلاحقة منذ بدأت حقبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فمن جهة لا يزال أثر الرسوم الجمركية الأميركية يتردد صداه في مسارات التضخم العالمي ومن جهة أخرى تراكمت ديون على كثير من الدول خلال جائحة كورونا وبعدها، والآن تأتي الحرب لتضاف إلى سلسلة الصدمات وتعقّد الأوضاع الاقتصادية وتساهم في إغلاق الآفاق الممكنة للخروج من نفق الأزمات.
تبدّل الأجندات للمؤسسات الدولية يعكس في جانب منه صعوبة التنبؤ وقراءة المستقبل القريب، وتشير المعطيات إلى أن التركيز ينصب على كيفية الخروج بأقل الأضرار، ومعظم الدول تنازلت عن نسب النمو المتفائلة التي وضعتها مطلع العام وباتت تسعى للحفاظ على الاستقرار، ولكن في جانب منها توضح الأحداث مدى هشاشة اقتصادات العالم وتشابكها؛ فمن جهة يخرج الأيرلنديون احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات، وترتفع أسعار السفر والطيران عالمياً وترتبك شركات التأمين، فيما تخشى أفريقيا موضوع الأمن الغذائي ونقص الإمدادات بسبب معركة تدور في الخليج ويتردد صداها عالمياً. الحرب لم تعد شأناً إقليمياً، لقد أصبحت في قلب الاقتصاد العالمي وأجلت المواضيع الاستراتيجية لمصلحة معالجة الواقع الصعب المعاش يومياً على وقع الأحداث والأخبار المتلاحقة.

Related News
شجاعة التفكيك... والتفكير
alaraby ALjadeed
27 minutes ago
فانس في السياق الإسرائيلي
alaraby ALjadeed
28 minutes ago
كيف استطاع يحيي أن يزرع أساطيره في القاهرة؟
alaraby ALjadeed
28 minutes ago
انتكاسة لليمين المتطرّف في أوروبا
alaraby ALjadeed
28 minutes ago
حرب تبحث عن كلمات
alaraby ALjadeed
28 minutes ago