Arab
لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمّل ليدرك أنّ أخطر ما يواجهه العقل ليس الجهل، بل ذلك اليقين السهل الذي يأتي معبّأً وجاهزاً، فيُستهلك كما هو، ويُعاد إنتاجه كما هو، من دون مساءلة أو رغبة في الفهم. هنا تحديداً تتبدّى وظيفة المثقّف كما أشار إدوارد سعيد، لا بوصفه حارسَ معرفة، بل بوصفه قلقاً حيّاً، يشتغل على تفكيك ما يُسلَّم به، ويعيد فتح الأسئلة التي أُغلقت قبل أوانها.
ليست المشكلة في الآراء بحدّ ذاتها، بل في تحوّلها إلى قوالب صلبة، تُمرَّر بين الأجيال وكأنّها حقائق نهائية. تلك الآراء المعلّبة تمنح صاحبها راحةً مؤقّتةً، إذ تعفيه من عبء التفكير، وتمنحه شعوراً زائفاً بالتماسك. غير أنّ هذه الراحة تأتي على حساب حيويّة العقل، وعلى حساب القدرة على رؤية التعقيد الذي يسكن كلّ قضية إنسانية. وحين يتنازل العقل عن حقّه في الشكّ، يصبح تابعاً حتى إن ظنّ نفسه في موقع القيادة.
المثقّف الحقيقي لا يطمئن إلى هذا النوع من الاستقرار. هو أقرب إلى مَن يضع إصبعه على موضع الألم، لا ليتلذّذ به، بل ليكشف أسبابه. يقاوم الإغراء الجماعي بالتصفيق السريع، ويُبقي مسافةً بينه وبين السائد، ليس تعالياً، بل حرصاً على ألا يتحوّل إلى صدى. في هذه المسافة تحديداً تتولّد الأسئلة الصعبة، وتتعرّى التناقضات التي يُراد لها أن تبقى مستترةً.
ولأنّ الآراء المعلّبة لا تعيش إلا داخل بيئة مغلقة، فإنّ أوّل ما يهدّدها هو الانفتاح. القراءة المتنوّعة، والاحتكاك بثقافات مختلفة، والاستماع إلى أصوات لا تشبهنا، ذلك كلّه يعمل على تفكيك البنية الصلبة للأفكار الجاهزة. هنا يصبح التفكير فعلاً يوميّاً، لا ترفاً نخبوياً، ويصبح الاختلاف ضرورة، لا خطراً يجب تجنّبه. غير أنّ تفكيك هذه الآراء ليس مهمّةً سهلةً، ولا هو فعل آمن دائماً. فكلّ فكرة راسخة تُحيط نفسها بسياج من القداسة الاجتماعية أو السياسية أو حتى العاطفية. ومَن يقترب منها بالنقد، يُتّهم غالباً بالخروج أو التشويش. ومع ذلك، فإنّ التراجع أمام هذا الضغط يعني التسليم باستمرار الجمود، ويعني القبول بعالم يُدار بالأفكار المستهلَكة، لا بالأفكار الحيّة.
ثمّة فارق دقيق بين أن يكون للمثقّف موقف، وأن يتحوّل هذا الموقف إلى عقيدة مغلقة. الموقف قابل للتطوّر، يتغيّر مع اتّساع المعرفة، ومع احتكاك التجربة، أمّا العقيدة الجامدة فتقاوم أي تعديل، وتتعامل مع النقد بوصفه تهديداً. لهذا يبدو المثقّف، في أفضل حالاته، كائناً غير مكتمل، يراجع نفسه بقدر ما يراجع الآخرين، ويشكّ فيما يعتقد كما يشكّ فيما يُعرض عليه.
ومن اللافت أنّ كثيراً من الأزمات الفكرية لا تنشأ من غياب الإجابات، بل من فائضها. حين تتكاثر الإجابات السهلة، وتُقدَّم بوصفها حلولاً نهائيةً، يتوقّف السؤال، ومع توقّفه يتوقّف التقدّم. وهنا تتجلّى خطورة التكرار؛ إذ يتحوّل إلى بديل عن الفهم، وإلى أداة لإعادة إنتاج الخطأ نفسه بوجوه مختلفة.
المثقّف في هذا السياق لا يكتفي برفض القوالب، بل يعمل لكشف آليات إنتاجها. من أين تأتي هذه الأفكار؟ مَن يروّج لها؟ ولماذا تحظى بهذا القبول كلّه؟ هذه الأسئلة لا تقلّ أهميةً عن نقد الفكرة نفسها، لأنّها تضعها في سياقها، وتمنح القارئ قدرةً على رؤية ما وراءها، لا الاكتفاء بسطحها. ولعلّ أجمل ما في هذا الدور أنّه يعيد الاعتبار للفرد، لا بوصفه متلقياً، بل شريكاً في صناعة المعنى. حين يتعلّم القارئ أن يشك، وأن يسأل، وأن يعيد النظر، يصبح أقلّ عرضة للانقياد، وأكثر قدرةً على اختيار ما يقتنع به. وهنا فقط يتحوّل الفكر إلى ممارسة حرّة، لا إلى تكرار لما قيل.
الرهان في نهاية الأمر ليس على هدم كلّ ما هو قائم، بل على إبقائه قابلاً للمراجعة. فالفكرة التي لا تُختبر تموت في صمت، حتى إن بدت حيّةً في ظاهرها. أمّا الفكرة التي تُساءل باستمرار، فإنّها تظلّ قادرةً على التجدّد، وعلى ملامسة واقع يتغيّر على نحو لا يرحم الثبات.
وهكذا، يصبح عمل المثقّف أقرب إلى إشعال ضوء صغير في زاوية معتمة، لا ليدّعي امتلاك الحقيقة، بل ليكشف أن العتمة لم تكن قدراً، وأنّ بإمكاننا دائماً أن نرى أكثرَ ممّا اعتدنا عليه، وأنّ نفكّر بطريقة أقلّ كسلاً، وأكثرَ صدقاً مع تعقيد الحياة.

Related News
مشروع قانون يادان لتجريم انتقاد إسرائيل في فرنسا
alaraby ALjadeed
40 minutes ago