Arab
أسأل نفسي: ما كنت سأفعل لو كنت أقود سيّارتي أو أسير في الشارع لأشاهد انهيار مبنى بصاروخ إسرائيلي وأنجو منه بأعجوبة؟ ما الكلمات التي قد أستعملها في وصف مشهد انهيار المبنى، ومعه حيوات من يقيمون فيه التي قُصفت في ثوانٍ؟ ماذا لو كنت مراسلةً ميدانيةً أنقل مشاهد محو قرى برمّتها بما تحمله من تاريخ ومجتمع وعمارة؟ ما الكلمات التي قد تُعدّ "مناسِبةً" لوصف اللحظة عندما يصبح الدمار الأسود لآلة الحرب الإسرائيلية جزءاً من المعاش اليومي، حتى قد يحلو لبعض من ضحاياه التقاط لحظاته وكأنّها حلقة من فيلم كرتوني؟
مباشرةً بعد الدقائق العشر للمجزرة الإسرائيلية في لبنان في الثامن من إبريل/ نيسان الجاري، وراح ضحيتها أكثر من 350 شخصاً، واصلت معظم المحطّات التلفزيونية العالمية بثّها وكأنّ أمراً لم يحدث. لا أخبارَ عاجلةً ولا نقلَ مباشراً من ساحة الجريمة، مع بعض استثناءات مهمّة. ... في نشرة قناة فرانس 24 بالإنكليزية، انتقل البثّ إلى القدس لسؤال المراسلة عن تأثير الاعتداءات على إسرائيل. نقلت خدمة "بي بي سي" الإخبارية الخبر استهدافاً لمائة من المراكز القيادية لحزب الله، بحسب البيان الإسرائيلي، وكأنّه حقيقة مطلقة، ومن دون إشارة إلى المدنيين، ولو أنّ مراسل المحطّة في بيروت نقل مشاهد الدمار وردّ على الانتقادات الموجَّهة إلى المحطّة بأنّ مراسلاته الميدانية لم تُغفل الضحايا، على نقيض السياسة التحريرية في استوديو الأخبار في لندن. كما أن آلاف من اللبنانيين في الاغتراب، تناقلت الصور المريعة للإرهاب الإسرائيلي في السوشال ميديا، واحتَرْتُ في استخدام الكلمات التي بقيت جميعها باهتةً في وصف الحدث: اعتداء، قتل، مجزرة... في وصف الدقائق العشر لـ"الظلام الأبدي" غير المسبوق في تجارب اللبنانيين للحروب، لم يعد للكلام أيُّ معنى.
يواصل بعض الإعلام ترداد التوصيفات الجاهزة في البيانات الإسرائيلية التي تساهم في تبرير وحشية القتل
قبل أسابيع، أثارت وكالة أسوشييتد برس (الأميركية) النقاش حول "الكلام المناسب" في نقل الحرب على لبنان، عبر قرارها استخدام تعبير "غزو" أو "اجتياح" في وصف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الداخل اللبناني، وإعلان الحكومة الإسرائيلية تحويل القرى الجنوبية الحدودية إلى ما سمّته بـ"المنطقة العازلة". إلا أنّ وكالة الأنباء العريقة لم تستخدم التعبير إلا في أواخر الشهر الماضي (مارس/ آذار)، بعد أسابيع من العمليات البرّية الإسرائيلية التي كانت، بحسب وقائع الأعمال العسكرية على الأرض، اجتياحاً واضحاً. انتظرت الوكالة إعلان إسرائيل الرغبة في السيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني، أي ما يقارب 30 كيلومتراً شمال الحدود، واعتبار المنطقة العازلة تدبيراً نهائياً إلى أن تقرّر إسرائيل أنّ حدودها الشمالية باتت آمنةً. لكنّ الوكالة لم تتخذ قرارها التحريري، المفترض أن يكون تلقائياً، إلا بعد أسابيع من العمليات العسكرية. وشرحته في مقالة خاصّة قائلةً: "كما في النزاعات السابقة، درس صحافيو وكالة أسوشييتد برس عدّة عوامل قبل اتخاذ القرار، من بينها: اتساع نطاق الهجوم، بما في ذلك عدد القوات أو الفرق المشاركة ومدّة القتال؛ وما إذا كان الهدف من العملية الاستيلاء على أراضٍ أو تهجير سكّانها؛ وما إذا كانت العملية هجومية أم دفاعية؛ وحجم الخسائر البشرية والمادية"، مذكّرة بأنّ إسرائيل "غزتْ لبنان أربع مرّات خلال الخمسين عاماً الماضية: في 1978 و1982 و2006 و2024".
كما وكالة الأنباء الأميركية، انتظرت وسائل إعلام دولية أسابيع قبل أن تبدأ باستخدام تعابير مغايرة للدعاية الإسرائيلية، التي استخدمت كلمات مثل "توغّل" و"دخول" و"عبور" وغيرها من عبارات مخفِّفة لواقع الغزو، وردّدها الإعلام من دون مساءلة. الحرب على لبنان، التي استعارت سيناريو غزّة في القتل، تحتاج إلى كلام من نوع آخر في وصف قتل غير مسبوق. أن تكون مقيماً في شقّة في مبنى، وأنت تشعر بالقلق الوجودي إلى حدّ الرعب لإمكان استهداف شقّة محدّدة أو حتى سحق المبنى بكامله بحجّة أنّه يؤوي مسؤولاً في حزب الله أو الحرس الثوري. أن تكون صحافياً ميدانياً ولا تعرف إن كانت مهمّتك أن تغطّي المعارك أو أن تنجو منها بعدما بات الصحافيون من أهداف الحرب، وآخر الضحايا منهم الصحافيتان غادة الدايخ من إذاعة الفرح، وسوزان الخليل من إذاعة النور وقناة المنار (والصحافي محمد وشاح من فريق قناة الجزيرة مباشر في غزّة).
الإشارة إلى مناطق بعينها باعتبار أنّها معقل حزب الله يسهم في تبرير اعتبار الضحايا المدنيين أضراراً جانبية
دخلت كلمات جديدة في التغطية الإعلامية للحرب لتنافس لغة التبرير والتطبيل التي باتت مطبِّعة في الاستخدامات اللغوية في وصف أعمال الحرب. تعبير "إبادة الصحافيين" (journocide) في وصف القتل المتعمّد للصحافيين من دون أيّ مساءلة بحجّة أنهم مشاركون في الحرب، وتعبير "إبادة البيوت" (domicide) في وصف السحق الكامل لقرى بكاملها لتحويلها إلى مكان غير قابل للحياة. في المقابل، يواصل بعض الإعلام ترداد التوصيفات الجاهزة في البيانات الإسرائيلية التي تساهم في تبرير وحشية القتل، منها الإشارة إلى مناطق بعينها باعتبار أنّها معقل حزب الله، بما يساهم في تبرير مفهوم المدنيين من الضحايا باعتبارهم أضراراً جانبية. في الجهة المقابلة، يواصل بعضهم الآخر التطبيل لانتصارات وهمية بترداد البيانات العسكرية باعتبارها اختصاراً لحقيقة الوقائع على الأرض، وتبريراً من نوع آخر للخسائر المادية والبشرية التي لا كلام قادراً على وصفها.
كتب المراسل الفرنسي آرثر سارادان، الذي يراسل وسائل إعلامية فرنسية من بيروت، منها التلفزة الفرنسية الأولى وصحيفة ليبراسيون، في مقالة نشرتها مجلة تيليراما في مراجعة تغطية الحرب التي يقدّمها من الميدان: "لا يزال لدينا كثير من التردّد اللغوي والصحافي فيما يتعلّق باللجوء إلى القانون وتصنيف النزاعات قانونياً. يجب أن نذكّر القراء باتفاقية جنيف، عن جرائم الحرب، ونؤكّد، على سبيل المثال، أنّ القانون يحظر إطلاق النار على سيارة إسعاف مدنية. لا أحبّ الحديث عن "التصفية" أو "الاختفاء": إنّهم أناس قُتلوا. يزخر المشهد الإعلامي لدينا بمفردات مبتذلة، وحتى أنا أستخدم أحياناً كلمات لا ينبغي استخدامها... التوصيف الدقيق ضروري لضمان دقّة المعلومات".
قلق التوصيف واقع في تغطية الحرب، أيّ حرب، لكنّ الحرب على لبنان بهذا القدر غير المسبوق من العنف الذي يرافقه انقسام طائفي ومذهبي وسياسي حادّ، قد يكون استخدام "كلام مناسب" في وصف وقائعها أقرب إلى المقامرة.

Related News
مشروع قانون يادان لتجريم انتقاد إسرائيل في فرنسا
alaraby ALjadeed
45 minutes ago