Arab
منذ انطلاقة مسلسل "بيكي بلايندرز" في عام 2013، جسّد الممثل الأيرلندي كيليان مورفي في شخصية توماس شيلبي حالة درامية فريدة على الشاشة؛ رجلٌ حُكم عليه بصراع وجودي يحاكي لعنة سيزيف، فكلما اقترب من قمة السلطة والثراء والنفوذ، أعادته خنادق الماضي أو خيانات الحاضر إلى البداية، ليبقى سعيه نحو الخلاص مجرد سراب لا يُدرك.
اليوم، تصل هذه الملحمة، التي امتدت لستة مواسم (عُرض الأخير في عام 2022) في شوارع بيرمنغهام، إلى نهايتها عبر فيلم "بيكي بلايندرز: الرجل الخالد" (Peaky Blinders: The Immortal Man)، الذي أراده مبتكر السلسلة، ستيفن نايت، خاتمة لأسطورة آل شيلبي.
هذا الختام الذي انتظرته الجماهير لسنوات تجاوز فكرة تتبع أحداث جديدة؛ إذ كان في جوهره رغبة في رؤية وداع يليق بشخصية استثنائية مثل توماس شيلبي. هنا، وجد ستيفن نايت نفسه في مواجهة تحدٍّ؛ وهو كيفية ضغط هذا الإرث الدرامي المتشعب في قالب سينمائي، ينهي حكاية انطلقت من صراعات الشوارع الضيقة، لتصل إلى ذروة التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في إنكلترا.
يظهر توماس شيلبي في الفيلم وحيداً، بشعر أبيض، منهكاً، يعيش في عزلة تشبه السجن، غارقاً في الهذيان والندم، محاطاً بالقبور والسماء الرمادية، والأشباح التي تطارده منذ الحرب. لم يعد يسعى إلى المزيد، بل إلى نهاية، إلى سلام لم يجده في هذا العالم. هذه العزلة تكاد تكون إعلان انهيار الإمبراطورية الإجرامية التي بناها طوال حياته، وتُحول الفيلم إلى دراما نفسية ثقيلة ترصد تصفية الحسابات الأخيرة مع الذات.
في الوقت نفسه، لا يغفل الفيلم عن العالم الخارجي الذي يحيط بتوماس شيلبي؛ فبينما يعيش عزلة داخلية، تُحاك مؤامرة نازية لتقويض الاقتصاد البريطاني، بالتعاون مع ابنه ديوك (الممثل باري كيوغان) الذي قُدّم زعيماً جديداً للعصابة، ما يزيد من تعقيد التوازن بين الصراعات الشخصية والسياسية.
خَلَق اختيار عام 1940 لبداية الحكاية، في ذروة القصف الجوي الألماني، بيئةً خانقة تليق بنهاية أسطورة "بيكي بلايندرز". ففي الوقت الذي يتداعى فيه العالم من حوله، يجد توماس شيلبي نفسه عاجزاً عن تطبيق قواعده الصارمة القديمة وفرض قوانينه؛ فالفوضى هذه المرة أكبر من أي خطة وضعها سابقاً. هذا الصدام بين دهاء الرجل وجنون الحرب الكبرى، وضع الشخصية في زاوية ضيقة، وجعل من الصراع الخارجي انعكاساً لانهياره الشخصي.
يترجم مخرج العمل، توم هاربر، هذا الانهيار بلقطات بطيئة وفضاءات خانقة وضبابية، محافظاً على الجماليات البصرية التي منحت عالم المسلسل فرادته؛ من حارات بيرمنغهام الضيقة إلى السماء الشاحبة والحقول المشتعلة بالنيران والدخان، وصولاً إلى المشاهد الأيقونية بين توماس وشقيقته آدا (صوفي راندل).
مع ذلك، واجه العمل تحدياً في موازنة زمن الفيلم مع تاريخ السلسلة الطويل، فبينما كان المسلسل يعتمد التراكم في بناء الشخصيات الثانوية والحبكات الفرعية، افتقد الفيلم ذلك النفس الطويل الذي كان يمنح عالم آل شيلبي ثقله الدرامي المعهود، ما جعل الحبكة المتعلقة بعملية بيرنهارد تبدو وكأنها صُمّمت تصميماً غير مقنع لتصل إلى ذروتها.
توازياً مع ذلك، وضع الرهان على الجيل الجديد النص أمام تحدٍّ صعب؛ فغياب شخصيات رئيسية شكلت الركيزة الأساسية للسلسلة، مثل آرثر (بول أندرسون) وبولي (هيلين ماكروري/ رحلت الممثلة في عام 2021 نتيجة إصابتها بالسرطان) ، جعل الثقل كله ملقى على عاتق توماس شيلبي وحده، ما خلق شعوراً بالغربة داخل عالم "بيكي بلايندرز" نفسه.
في إطار هذا التحدي، لا تمتلك شخصية ديوك ذلك التأسيس المسبق الذي يجعلنا نؤمن به استمراراً للأسطورة. الكيمياء بينه وبين توماس شيلبي لم تكتمل؛ فالعلاقة بين الأب والابن لم تنقل إلينا ذاك الألم والكثافة التي كنا ننتظرها.
كذلك، قُدّمت شخصية الخصم الجديد لتوماس، جون بيكيت (جسّده تيم روث)، شخصيةً أحادية البعد تفتقر إلى التعقيد الذي ميّز خصوم العمل في مواسمه السابقة، مثل أوزوالد موزلي. في عالم اعتاد اللعب على التوازن بين السياسة والعنف، يبدو هذا النوع من الشر الصريح باهتاً وأقل إثارة.
بالتأكيد، يستمد الفيلم زخمه من حضور كيليان مورفي، الذي استطاع تكثيف تاريخ توماس شيلبي الطويل في ملامحه المتصلبة. نرى تومي هنا وقد تجاوز مرحلة فرض السيطرة بالقوة، ليظهر مثقلاً بانكسارات داخلية تتجلى في سكونه أكثر من حواره.
هذا الأداء الذي قدمه مورفي يجسد، ببراعة، حالة الإنهاك الروحي التي وصلت إليها الشخصية؛ إذ بدت ملامحه الحادة بمثابة الدرع الأخير لحماية كبريائه من انهيار نفسي بات وشيكاً.
بينما اختار مسلسل "بيكي بلايندرز" أن يودعنا وهو في قمة مجده الدرامي، جاء هذا الفيلم وكأنه محاولة لإسدال ستارة لم تكن السلسلة في حاجة إليها حقاً. فبدلاً من أن يمنحنا "الرجل الخالد" تلك الخاتمة التي تليق بأسطورة مثل توماس شيلبي، وجدنا العمل يتسارع لإغلاق حبكات وقصص متشعبة في وقت ضيق، رغبة في طي الفصل الأخير من الحكاية.
"الرجل الخالد" فيلم متقن، لكنه يفتقد تلك الروح الملحمية التي ميزت الحكاية الأصلية وصنعت أسطورة "بيكي بلايندرز". باستثناء بعض المشاهد الأيقونية والوداع المهيب لتوماس شيلبي، يبقى القليل جداً مما يمكن اعتباره مؤثراً.
