Arab
واصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته بإعادة إيران إلى العصر الحجري، محذراً من أنه سيتم استهداف الجسور ومحطات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه، وذلك على الرغم من أن بلاده كانت السباقة للتوصل لاتفاق عالمي لتجريم البنى التحتية المدنية قانونياً. فقبل بضعة عقود، وبينما كانت الولايات المتحدة ترتب مكانتها في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، قررت مع الحلفاء المنتصرين إنشاء الأمم المتحدة بقوانين جديدة لضمان ألا تتكرر جرائم الحرب التي ارتكبها الغرب آنذاك، حيث قتل عشرات الملايين من المدنيين، ودمرت الجيوش محطات الطاقة والكهرباء والجسور والسكك الحديدية.
وسعت واشنطن والدول الموالية لها وهي تنشئ نظاماً جديداً وقتها إلى ألا تكون هناك محرقة جديدة، بحسب قياداتها، فقادت صياغة قوانين حقوق الإنسان والقانون الدولي. ومن أجل التوصل إلى إجماع عالمي، طُرح وقتها أن تكون المبادئ، التي سيتم تضمينها في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف، مستلهمة من جميع الحضارات، بما فيها الفارسية والصينية والمصرية والهندية.
وفي سعيها نحو الهيمنة العالمية، وتأكيد سيطرتها على القرار الأممي، كانت مساهمتها المالية الأكبر في المنظمات الأممية واحدة من أدوات قوتها الناعمة، ما قد يؤدي بهذه المنظمات إلى غض النظر عن تجاوزات واشنطن، وعدم تطبيق هذه القوانين عليها. باختصار كانت واشنطن تشرف على هذه المنظومة العالمية وتديرها بما يخدم مصالحها إلى أن جاء ترامب رئيساً للولايات المتحدة في العام 2017.
قُدمت السردية الأميركية خلال أكثر من 70 عاماً على أنها الراعي الرسمي لحقوق الإنسان، حيث تفرض عقوباتها على الدول المرتكبة لجرائم الحرب وحقوق الإنسان، فيما تغلف حروبها بسرديات أخلاقية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. ففي حرب العراق، حاولت أميركا حشد المؤسسات الأممية والمنظمات حولها، عبر اختلاق تقارير كاذبة في إطار فكرة المؤسسية العالمية ومحاولة تقديم نموذج أن الولايات المتحدة لا تمارس البلطجة، عبر معاقبة بعض جنودها الذين أدينوا بارتكاب جرائم في العراق، وهو الأمر الذي كانت فعلته سابقاً وهي تقود دول أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال غزو أفغانستان.
وفي فترته الرئاسية الأولى، بدأ ترامب بالانسحاب من المنظمات الدولية التي لطالما استخدمتها الولايات المتحدة لترسيخ قوتها حول العالم، مثل منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ ومنظمة اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وقطعت التمويل عن وكالة "أونروا". ومع تولي جو بايدن الرئاسة، عادت واشنطن إلى المنظمات مرة أخرى، حيث رأى أن هذا الأمر ضروري لحماية المصالح الأميركية وتعزيز نظام عالمي قائم على القواعد. وقال جملته الشهيرة في فبراير/شباط 2021: "أميركا عادت".
اتفاقيات جنيف تحظر استهداف الجسور ومحطات الطاقة
وتحظر اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها استهداف الجسور ومحطات الطاقة، وتضع شروطاً صعبة للغاية لاعتبارها أهدافاً عسكرية. ويصنَّف استهداف محطات تحلية المياه والكهرباء التي تغذي المستشفيات على أنها جرائم حرب لأثره على المواطنين. كما يصنف استهدافُ المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والمعابد والأماكن الأثرية وسياسة التجويع جرائم حرب وانتهاكات للقانون الإنساني الدولي.
تضع اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها شروطاً صعبة لاعتبار الجسور ومحطات الطاقة أهدافاً عسكرية
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأت إسرائيل في استخدام التجويع سلاحاً لقتل سكان غزة وتهجيرهم، بالإضافة إلى استهداف مستشفيات ومدارس وجامعات ومدنيين وصحافيين. ومع تغاضي المجتمع الدولي عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، تجرأت أكثر عبر تدمير ممنهج لجميع المؤسسات المُجرم تدميرها دولياً، فاستهدفت سيارات الإسعاف ثم المساجد والكنائس والجامعات والمدارس، ما أخرج المنظومة الصحية، وكل الجامعات تقريباً وأكثر من 80% من مدارس القطاع عن الخدمة، كما تشير تقارير الأمم المتحدة.
حمت أميركا إسرائيل إعلامياً وسياسياً وقانونياً، ومنعت إدانتها دولياً، ودافعت إدارة بايدن عن استهداف الجامعات والمستشفيات والأطفال والكنائس، وانتقدت المحكمة الجنائية الدولية لبدء تحقيقات باحتمال ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية وجرائم حرب. وعندما جاءت إدارة ترامب هددت المنظمات الدولية لحماية إسرائيل وفرضت عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية وعلى المقررة الأممية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز.
تكيف العالم مع جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل تحت حماية أميركية، فتحول الأمر المُجرّم دولياً إلى حدث يومي عادي. ولم يعد استهداف الجسور ومبانٍ سكنية ومدارس ومحطات طاقة ومواقع أثرية، يثير جدلاً عالمياً كبيراً. ومع سيطرة ترامب على مفاصل الحياة السياسية في ولايته الثانية، وانسحابه من 66 منظمة أممية ودولية، وازدرائه للسردية الأميركية القائمة على احترام حقوق الإنسان، واستعادته الأفكار الاستعمارية القديمة القائمة على الاستيلاء على نفط البلدان الأخرى، بينها فنزويلا، وثرواتها وأراضٍ طالما أنه يمتلك القوة، وإهانته حلفاءه علناً أكثر من مرة، بدأ الأميركيون يتقبلون هذا الأمر. ومع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران شهرها الثاني، لم تعد هناك مشكلة في أن يصرح ترامب علناً أنه يريد أن يعيدها إلى العصر الحجري، ومنحها حتى مساء اليوم الثلاثاء مهلة للتوصل إلى اتفاق وفتح مضيق هرمز، أو استهداف الجسور ومحطات الطاقة، بينما تهدد طهران بتدمير محطات تحلية المياه والطاقة في دول الخليج حال تنفيذ الرئيس الأميركي تهديده.
الجمهوريون يرفضون تقييد صلاحيات ترامب
وعلى الرغم من أن الجمهوريين في مجلس الشيوخ رفضوا تقييد صلاحيات ترامب بمهاجمة إيران، بدأت تخرج علناً أصوات في مجلسي النواب والشيوخ تهاجم الرئيس بسبب تصريحاته، وهو الأمر الذي لم يحدث خلال حرب العراق. وكتب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، على منصة إكس الجمعة الماضي: "رئيس الولايات المتحدة يغضب مثل المجانين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يهدد بارتكاب جرائم حرب محتملة"، مضيفاً أن البلاد تستحق ما هو أفضل بكثير. وقال النائب الديمقراطي رو خانا، في بيان في 23 الشهر الماضي، عندما أعلن ترامب نيته قصف محطات الطاقة في إيران، إن هذا سينتهك المبادئ الأساسية لقوانين الحرب المستمدة من اتفاقية جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، الملزمة قانونياً للولايات المتحدة، حيث تكون غالبية محطات الطاقة مزدوجة الاستخدام للحياة المدنية وبعض الوظائف العسكرية. وشدد على أنه بموجب المادة 52 من الاتفاقية "لا يجوز توجيه هجمات لهذه الأهداف إلا إذا ساهمت بفعالية في العمل العسكري ولم تسبب أضراراً جماعية للمدنيين". وتابع: "التهديد بارتكاب جرائم حرب ينتهك ما تقوم عليه أمتنا".
لورانس كورب: إذا كان الجسر يستخدم لأغراض عسكرية فإن لديك الحق في تدميره إذا كنت قد أعلنت الحرب فعلياً
وبينما يحاول كبار مساعدي ترامب تقديم مبررات له تدعي أن منشآت إنتاج الطاقة والجسور في إيران تعد "أهدافاً عسكرية شرعية"، بزعم أن من شأن تدميرها شل البرنامجين الصاروخي والنووي للبلاد، وقع أكثر من 100 خبير في القانون الدولي في الولايات المتحدة، بينهم خبراء من جامعات مثل هارفارد وييل وستانفورد وكاليفورنيا، على رسالة مفتوحة قالوا فيها إن الضربات الأميركية على إيران قد تشكّل جرائم حرب. وأوضح الخبراء، في الرسالة التي نشرت الخميس الماضي، أن سلوك القوات الأميركية وتصريحات كبار المسؤولين الأميركيين "تثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما يتضمن جرائم حرب محتملة"، خاصة مع تصريحات ترامب عن استهداف البنية التحتية وشن الضربات لمجرد التسلية.
وشرح مساعد وزير الدفاع الأسبق لورانس كورب، لـ"العربي الجديد"، ما تقوله القوانين التي يتبعها الجيش الأميركي في الحروب عن استهداف الجسور ومحطات الكهرباء. وقال إن "القواعد هنا أنه إذا لم تعلن الحرب على مكان ما فأنت غير مسموح لك بفعل ذلك"، موضحاً أنه "إذا كان الجسر يستخدم لأغراض عسكرية، فإن لديك كل الحق في تدميره إذا كنت قد أعلنت الحرب فعلياً". وعن تدمير محطات الطاقة والكهرباء والنفط، قال: "مرة أخرى، ما هو السبب الذي يدفعه لذلك؟ هو يريد أن يذهب إلى حرب مع إيران دون أن يذهب إلى حرب"، معتبراً أن "هذا يخالف القانون".

Related News
زعيمة المعارضة التايوانية تقوم بزيارة نادرة للصين
aawsat
15 minutes ago
أسواق أوروبا تشكو من زيادة الأسعار
alaraby ALjadeed
22 minutes ago
ضغوط لرفع العقوبات عن نفط روسيا
alaraby ALjadeed
53 minutes ago